الرجال.. من سالم مولى أبي حذيفة إلى نصر جرار

الأحد 21 يناير 2018 07:04 م بتوقيت القدس المحتلة

ليلة الخميس الماضي اقتحمت قوات الاحتلال -معزّزة بمئات الجنود وعشرات الآليات- مدينة جنين، فيما قيل عنها في المصادر الإسرائيلية؛ إنّها عملية ملاحقة واسعة للخليّة الفلسطينية المسؤولة عن تنفيذ عملية مسلحة قرب مدينة نابلس في التاسع من يناير/كانون الثاني الجاري، وأدّت إلى مقتل أحد كبار زعماء المستوطنين في الضفة الغربية.

أثناء الاقتحام الإسرائيلي المدجّج، حاصرت قوات الاحتلال منزل الشهيد نصر جرّار، أحد قادة كتائب القسام في الضفة الغربية أثناء انتفاضة الأقصى. أشاعت المصادر الإعلامية أن المستهدف من حصار المنزل الذي جرى تدميره في الأثناء، هو أحمد نجل الشهيد نصر. لم يُعرف بعد مصير أحمد، وقيل إنه أحد المسؤولين عن عملية قتل زعيم المستوطنين، لكن شيئا من ذلك لم يؤكد بعد.

حينما ذُكر اسم الشهيد نصر جرار، استدعت ذاكرتي حكاية عمر رضي الله عنه مع بعض أصحابه، إذ قال لهم: تمنّوا. فقال بعضهم: أتمنّى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله وأتصدق. وقال رجل: أتمنّى لو أنها مملوءة زبرجدا وجوهرا فأنفقه في سبيل الله وأتصدق، ثم قال عمر تمنّوا. فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين. فقال عمر: أتمنّى لو أنها مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، وحذيفة بن اليمان.

قيمة المال والسلاح، ووجهتهما، تتحدّد بالرجال. في غزة استنبت الرجال من العدم كتائب مسلحة صمدت في حروب متتالية في بقعة صغيرة ومكشوفة، يمكن القول إن جيوش العرب مجتمعة، التي تملك المال والسلاح، لم تفعل ما فعله الرجال في غزة. في الضفة الغربية، هناك آلاف قطع البنادق التي تملكها السلطات الفلسطينية الرسمية، لكن قطعة واحدة، جرّت خلفها الآلاف من جنود العدو، بكل ممكناتهم العسكرية والتقنية، يبحثون عنها، قرية قرية، وشارعا شارعا، وتلّة تلّة، وصولا إلى اشتباك جنين الذي هُدم فيه منزل الشهيد نصر جرار.

نصر جرار، الأشبه بسالم مولى أبي حذيفة من الرجال الأربعة الذين تمنّى عمر لو أن الدار مملوءة بأمثالهم، فقد أمسك سالم راية المسلمين بيسراه بعدما بُترت يمناه في المعركة، وهو يتلو قول الله تعالى: "وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ"، ويردد: "بئس حامل القرآن أنا، إذا أُتيتم من قِبَلي". وكان سالم أحد أتقن الصحابة لكتاب الله تعالى، الذين أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، صحابته بأخذ القرآن منهم، فقال "خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل"، ولمّا سمع النبيّ تلاوته قال له: "الحمد لله الذي جعل في أمّتي مثلك".

باختصار، هذا هو الفقيه الربانيّ، وحامل القرآن، الذي لا يُؤتى المسلمون من قبله، الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، الذي كان ممن أنكروا على خالد بن الوليد، في الموقعة التي قال فيها النبيّ، صلّى الله عليه وسلم: "اللهم إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد"، وبهذا المثل، نقيس فقهاء اليوم وقراءه، ونجعله ميزانا لمعرفة الرجال.

الرجال الذين كان منهم نصر جرّار، الرجل الذي مزّقت عبوة ناسفة أشلاءه أثناء مهمة جهاديّة، فبُتِرت قدماه وذراعه اليمنى، فظل يقاتل بذراعه اليسرى، مصطفّا بين المجاهدين، غير متنكب عن طريقهم، حتى بعذر بالغ كعذره، إلى أن استشهد في اشتباك مسلّح مع قوّة من العدوّ حاصرت منزلا تحصّن فيه إلى جانب رفقة من مقاتلي القسام، فأمّن المقاتل المُقعد لرفاقه طريق الانسحاب، بإشغاله العدوّ إلى أن استشهد.

استشهد نصر جرار في آب/أغسطس 2002، أي بعد أقلّ من عام على انتفاضة الأقصى، ليكون واحدا من مؤسسي العمل المقاوم في تلك الانتفاضة، وممهّدي طريق ذات الشوكة للقادمين من بعده، منتزعا الراية من ركام سنوات بؤس سبقت تلك الانتفاضة، فظلّت بيده حتى بعد استشهاده. نصر جرار من أوائل الإسلاميين داخل الأرض المحتلة الذين التحقوا بالعمل المقاوم، وكان أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية في السجون في العام 1978، وهي الإطار الاعتقالي الذي جمع الإسلاميين داخل سجون الاحتلال على مختلف توجهاتهم ومشاربهم الفكريّة، إلى حين انطلاق الانتفاضة الأولى، وهذه الفترة كلّها قضاها جرّار في السجن، من العام 1978-1988.

وباستثناء اعتقالات صغيرة وعابرة، اعتقل مرّة أخرى اعتقالا طويلا، قضاه في الاعتقال الإداري (أي بدون محاكمة) أربع سنوات ونصف، من العام 1994 حتى العام 1998، وفي هذا العام تعرّضت حماس لضربات قاسية استهدفت بناءها التنظيمية والعسكرية في الضفة الغربية كلّها، ليكون خروج جرّار من السجن بناء على الطريق ذاتها التي قادته من قبل إلى السجن خمسة عشر عاما.

رجل مبادر، صلب، متجرد، متفانٍ، جدير أن يكون من بين الرجال الذي تمنّى عمر امتلاء الدار بهم، وأن يكون في صف الصحابة العظماء الذين تقطّعت أطرافهم ولم تسقط الراية منهم، في صف مصعب بن عمير، وجعفر الطيار، وسالم مولى أبي حذيفة.. رجل يثبت الله لنا به أن الحقائق الحيّة أعظم من الأساطير، وأنّ ما جادت به كتب التاريخ، تجود بمثله وأعظم وقائع الأيام الجارية، ونحن نحمد الله أن عرّفنا بمثله، كما نحمده أن جعلنا في الأمّة التي فيها سالم مولى أبي حذيفة، ونصر جرار!