الرجال.. يحيى عياش وسر الحياة والموت

الأحد 07 يناير 2018 01:01 م بتوقيت القدس المحتلة

في مقالتين سابقتين تحدّثتُ عن صنفين متقابلين من البشر، عن "أحطّ العبيد.. الخونة الصغار"، ثم عن "الرجال.. مقابل أحطّ العبيد"، وقد سبق وكتبت عن "رجال حدثوني عن أعمارهم التي فنيت".. وكانت محاولة قاصرة لترجمة حديث الحياة والموت في نفسي، وتفكيري الذي لا ينقطع بلغز العمر الذي لا يكاد يحلّ نفسه لأحد، ثم وإذ حلّت علينا ذكرى الرجل الذي لا يغيب، الذكرى الثانية والعشرون ليحيى عياش، فإنّني وجدت الكلام كلّه متجسّدا في هذا الرجل.. أي الكلام في الرجال ولغز الحياة والموت!

لكنّك وكلما وقفتَ إزاءه، أي إزاء الرجل الذي تتجسد فيه الإجابات، تجده عصيًّا، يمنحك ما تريد، كنفث في الروع، دون أن يمنحك اللغة القادرة، كالسهل الممتنع، ما إن يرقى بصَرُك إلى صورته حتى ينجلي ما خَفي، ويتضح ما أُبهم، ويشرق ما حُجب، وتنحلّ الأسئلة، وتبين الإجابات، شيء كالمثل الربّانيّ الحسيّ، من قبيل "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ"، ومن قبيل "وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ"، وإذا بالمثال من لحم ودم ورجولة وشهادة، وإذا به يحيى عياش.

ثم إنك وإن عدت ببصرك، وقد امتلأت بالإجابة، تهاوت نفسك، وغرقت عيناك، لا لأنك لن تبلغ المثال، فهذا معلوم لك معرفتك بنفسك، ولكن لأنك مكروب بما بات معرفة، ضائق روعك بما نفث فيه، مثقل ظهرك بوزر الإجابات، لا سبيل لمكنون الصدر إلى فضاء الكلمة، دونه انعقاد اللسان، واكتشاف ضيق ذلك الفضاء عمّا يضجّ في صدرك، ويدوي في عقلك.. عصيّ يحيى عياش على الرسم، عصيّ على الكتابة، عصيّ على اللغة.. عظيم في الصدر، يكاد الصدر ينشقّ لقوّة الدفع التي فيه، وإنّك وإن أحسست بذلك، فما لك إلا أن تبكي، أن تخفّف من شدة الدفع في صدرك، ومن قوّة الدويّ في عقلك، بسخاء العينين.

إذا كان بعض الناس عاش قليلاً، ولكنّه ظلّ ينحت في التاريخ، بعلم خلّفه، أو كتاب تركه، أو بسيرة تخلّدت، فإنّ يحيى عياش الذي لم يترك كتابًا، قد ترك علمًا، ولكنّه من جنس المعرفة التي نحوم حولها

ولست أدري إن كنتَ تعجبُ من ضعف طاقتي على النظر إلى صورة يحيى عياش، إي والله، إنني أتجنب ذلك، وقد علمت أن عمرو بن العاص قد قال "وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلاَ أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلأَ عَيْنَيّ مِنْهُ إِجْلاَلاً لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلأُ عَيْنَيّ مِنْهُ"، وقد كان ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا يدانيه أحدٌ منزلة، وإنما كان لي سلف، وأنيس، ومعين على فهم ما أنا فيه.

وإنما هما عيناه الناطقتان، ما رأيت مثلهما، ولا أبلغ منهما ولا أفصح، ولا أحدّ ولا أقوى، ولا أقدر على النفاذ، ولا أثرى بالمعرفة الممتنعة على الحكاية، ولا أغنى بالحكمة المتعالية على القول، دفق منهما ينوء به قلبك، فكيف إذا خاطبك وجهه كلّه؟ إنّك تشفق على نفسك، من ضعفها، وما يرد عليها من فيض وجهه، فيض لا ينفد، وأنت ضعيف لا تقوى، فكيف لو ظلّ بصرك شاخصًا إلى صورته، وصورته تملؤك بما لا سبيل لك إلى قوله؟! أرأيت صدرك إذا امتلأ حبًّا ثم ضاقت بك السبل عن تبليغ حبّك؟ فذاك شيء يحاول أن يشبه، دون أن يطابق، حال صدر امتلأ بفيض يحيى عياش ثم لم يجد سبيلاً منه يعبر فيه ذاك الفيض إلى أفق يسعه، أو نفس تحمله!

ثمّ لك أن تتخيل، إن كان هذا من نظرة إلى صورة، وقد انخلع صاحبها عن عالمنا، فكيف بحضوره المختار له مهمّة، ليكون موعظة ربّه للعالمين، موعظة من لحم ودم، من عينين ناطقتين، من حضور بالغ الخفاء، بالغ القوّة.. ثم انظر، إلى خطر المهمّة، أن يُتّخذ رجلٌ مثالاً يشرح كلمة الربّ، وذلك أن يتخذه ربّه شهيدًا.. ثم بالله عليك أجبني، ألا تُحسّ به؟! ألا تشعر بقوّة حضوره؟!.. ثمّ بالله عليك أجبني مرّة أخرى، أيمكنك وصف هذا الحضور؟! أتستبين كنهه؟! أتعرف سرّه؟! أيمكن للغة أن تجمع معًا حضوره في قوته وخفاءَه في شدّته؟! وذاك بعض من فعله في وجودنا، ثم هو فوق ذاك، في ظنّنا، والله الذي يزكّيه، فرحٌ عند ربّه بما أوتي، مستبشرٌ بالذين لم يزل يَعِظُ في عالمهم، حاضر فيه، قويّ خفيّ، رغم انخلاعه عنه.

بعد اثنين وعشرين عامًا، لم يزل يحيى عياش حاضرًا بعد استشهاده، يفعل فينا ذلك كلّه وأكثر مما لا نقدر عليه وصفًا أو لا نحسن، وهو بالكاد قد أكمل الثلاثين عامًا بين الناس، منها أربعة أعوام فقط جاهد فيها العدوّ، ثم بهذه الأعوام الأربعة من السنوات الثلاثين، يملك هذا الحضور، لا ذكرى طيبة بين الناس فحسب، وإنما فوق ذلك بكونه موعظة بليغة، وأثرًا فاعلاً، وبرهانًا ساطعًا، وحجة بالغة، ودرسًا قائمًا، وعِلمًا مبثوثًا.

وإذا كان بعض الناس عاش قليلاً، ولكنّه ظلّ ينحت في التاريخ، بعلم خلّفه، أو كتاب تركه، أو بسيرة تخلّدت، فإنّ عياش الذي لم يترك كتابًا، قد ترك علمًا، ولكنّه من جنس المعرفة التي نحوم حولها، عاجزين عن الدنوّ منها، فضلاً عن جسّها، أو تعريفها، أو وضع حدّ لها، فهي مزيج من العرفان والبيان والبرهان، وذلك كلّه انبثق عن سيرة تسربلت بالخفاء في سنوات قليلة لم تَعْدُ الأربع، بارك الله فيها حتى امتدت وكأنّها ألف ألف حياة، أو يزيد! وما ذاك إلا سرّ العمر، سرّ الحياة والموت، ينتصب مثلاً في عيّاش، ذي الثلاثين عامًا، والأربع سنوات مجاهدًا، لا تعرف اختلافًا عليه، ولا تعلم أحدًا يبغضه، وهذا عزيز في الناس، عزيز حتى في الشهداء، عزيز في الصدّيقين، فمنذ الذي يمكنه اكتناه هذا السرّ، وأي لغة يمكنها أن تستوعبه؟

ولك أن تقدّر كيف أعدّه ربه قبل السنوات الأربع الأخيرة من وجوده بيننا، إلا أنّ الذي نعرفه أنّه فيها كان قد استوى رجلاً، كالقادمين من أقاصي المدن يسعون، يصنع الممكن من المستحيل، ويدوس الشوك، ويهدم الجدران، مدفوعًا بالواجب، متجرّدًا من الغرض، لا تصدّه المسافات، ولا يمنعه فقر الممكنات، ولا تحجزه عن الصحبة نُدرة الرفقة.. أمّا وأنّ الله قد أبهم أسماء بعض الرجال الذين ضربهم مثلاً، فقد قدّر أن يكون اسمه يحيى عياش! فتأمّل بالله عليك!