فقر غزة القاتل.. سيف بتار خرج من غمده

الأحد 07 يناير 2018 12:58 م بتوقيت القدس المحتلة

منذ سنواتٍ طويلة يجهرُ أهلُ غزة، ذلك الجزء الجنوبي من فلسطين السليبة على العرب والمسلمين، بصوتهم.. أسمع صوتهم كل مكان على هذه اليابسة، غير أنه لم يجد المعتصم العربي الشهم، ولم يوقفه صلاح الدين الكردي البطلُ الصنديد، بل ولم يطلب التعرف على مصدر الصوت السلطان عبد الحميد ذلك التركي الأبي الذي لم يقبل ظلم مسلم في بلاد الإسلام..

معذرةً ليس هذا ولا ذاك حركت غزة شعرة في أجسامهم التي تبلدت، أو فيها الدماءُ تخثرت، فزماننا هذا عقمت النساء فيها أن يلدن من أمثالهم، وغزة في دمائها تغرق، حربٌ تلو الأخرى، من بني صهيون.. وبكاءُ نسائها واستغاثة أطفالها بات لا يكترث بهما أحدٌ، فلا دينٌ يُحرك المسلمين، ولا قوميةً عربية تنتفض لها، بل لأن أهالي غزة يعانون، وفي هوانهم وضعفهم أمام جبروت المحتل الغاشم لا يُنصرون.

معذرة فغزةَ أهلها لم يتبجحوا بقوتهم واستعلائهم على الآخرين، ولو فعلوا ذلك لكان حالهم غير هذا الحال مع عالم لا يحترم إلا الأقوياء وإن كانوا جبابرة. معذرة لذلك الموظف المغربي البسيط "نجاح الكريني محمد" الذي أنشد ذات يوم قصيدة جادت بها قريحته لعله يخفف عن أهل غزة المكلومين.. معذرة أخي فقصيدتك لا تعني للعرب والمسلمين شيئا، لكني أتذكر كلماتك حين قلت:

من نوح إلى صلاح الدين.

اشتاقت غزة إلى المعتصم

وإلى نجدة صلاح الدين..

بعدما أصبح أهل الحق

في أوطانهم لاجئين مشردين..

وجيوش الأمة الإسلامية مدججة

بكل أنواع السلاح والمجندين..

ما هم استعملوا السلاح ضد عدو

ولا هم سلموه للمجاهدين..

منذ سنواتٍ طويلة أهالي غزة وحتى لا يكشفوا ما هم فيه من ألم، تقتصرُ معيشتهم على الوفاء بالأساسيات من السلع التي تجعلهم على قيد الحياة فقط

أخي يا ذاك العربي الأصيل، غزة التي كانت تقودها "حماس" على مدار أكثر من عقد من تاريخنا الأليم، ذللت كل المصاعب من جانبها أمام حركة "فتح" أملاً في تخفيف وطأة الفقر والحصار التي ضربت أهالي القطاع، غير أن قيادة حركة "فتح" تعاملت مع غزة كما تعامل سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام مع بني إسرائيل حينما أمرهم بتطبيق قرار رباني يذبحون من خلاله بقرة، وباتت المطالب من قبل حركة "فتح" تلكؤ تلو الآخر، وعقبة تتلوها الأخرى، وبالتوازي مع ذلك ارتفعت وتيرة الفقر، وغابت السيولة المالية من أسواق غزة، فأغلق التجار أبواب محلاتهم، وهربوا من بيوتهم بعدما فشلوا في الإيفاء بالتزاماتهم المالية.

منذ سنواتٍ طويلة، أهالي غزة وحتى لا يكشفوا ما هم فيه من ألم، تقتصرُ معيشتهم على الوفاء بالأساسيات من السلع التي تجعلهم على قيد الحياة فقط، وتُبقي أجسامهم واقفةً عزيزة تأبى الخنوع للذل والهوان، لكن خلال الشهور الثلاثة الماضية، باتت مسألة الوفاء بالأساسيات أحد أهم المسائل مستحيلة التحقق في ظل تشديد وطأة الحصار، الذي بات غالبه بفعلٍ من قيادة السلطة الفلسطينية.

المساسُ بمسألة أساسيات الحياة، همس بشأنه أحد الأصدقاء في أذني وهو يديرُ إحدى أهم الصيدليات في قطاع غزة، والتي يُشار لها بالبنان لكثرة عملها، وكلماته الخافتة خنقت فؤادي طوال الليل، قال فأوجعني: خلال الشهر الأخير (يقصد ديسمبر 2017م) مبيعات الصيدلية عندي انخفضت من ألف شيكل في اليوم (حوالي 285 دولار)، إلى مائة شيكل فقط (حوالي 28 دولار).. اعتقدتُ أن هذا الانخفاض عندي فقط، لكن الكثير من زملائي الصيادلة يتحدثون بذات الأمر..

أمام ذلك الواقع نُدرك بأن الأمور في غزة باتت لا تُطاق، وما دام الدواء الذي يُعتبر بمثابة أهم أساسيات الحياة أصابه الوهن بهذا الشكل فماذا تبقى من رداتِ فعلٍ مع تواصل خنق السلطة الفلسطينية لغزة، واشتداد حصار العدو الصهيوني لها، ومواصلة مصر إذلال أهلها بإغلاق معبر رفح، أو فتحه على فترات بعيدة مع قائمة طويلة من الإهانة والإذلال؟.

غزة قد خنقتموها جيداً، السلطة الفلسطينية وحركة فتح، ومصر والعرب، والكيان الصهيوني، والأخير هو الذي بات يبحث ويدرس أحوالها خشيةً على نفسه، أما الآخرون فلسنا على بالهم أو أجندةِ تفكيرهم

"لو كان الفقرُ رجلاً لقتلته"، هذا ما قاله ذات يوم سيدنا علي "رضي الله عنه"، لكننا في غزة هذه المرة لا نتحدث عن "فقر"، إنما هو جوعٌ أصاب كافة مفاصل الحياة.. جوعٌ في الحرية.. وجوعٌ في الطعام والشراب والدواء والعلاج.. وجوعٌ في أساسيات الحياة.. في "ثلاثية أطفال الحجارة" لنزار قباني، قال:

يا تلاميذ غزة علمونا بعض ما عندكم فنحن نسينا

علمونا بأن نكون رجالا فلدينا الرجال صاروا عجينا

علمونا كيف الحجارة تغدو بين أيدي الأطفال ماسا ثمينا

كيف تغدو دراجة الطفل لغما وشريط الحرير يغدو كمينا

كيف مصاصة الحليب إذا ما اعتقلوها تحولت سكينا

يا تلاميذ غزة لا تبالوا بإذاعاتنا ولا تسمعونا

اضربوا اضربوا بكل قواكم واحزموا أمركم ولا تسألونا..

 الواضح بأن غزة قد خنقتموها جيداً، السلطة الفلسطينية وحركة فتح، ومصر والعرب، والكيان الصهيوني، والأخير هو الذي بات يبحث ويدرس أحوالها خشيةً على نفسه، أما الآخرون فلسنا على بالهم أو أجندةِ تفكيرهم. مهما يكن يا سادة: ليست غزة التي تقبل الخنوع أمام الجوع، وإن جاعت غضبت وثارت، أما غضبها فالأرجح أنه سيختلف عن كل مرة سابقة.. لقد خرج سيفها من غمده هذه المرة، وحذارِ إن رفعه شبابها ورجالها في سماء تعامدت فيها الشمس، فحينها سيكون للمعان تلك السيوف شأن آخر، وإن كان بُد من الموتِ فمن العارِ أن نموت جبناء.