نزار ريان.. أبدية القدوة والمثال

الأربعاء 03 يناير 2018 05:07 م بتوقيت القدس المحتلة

لم يكن الشهيد الدكتور نزار ريان شخصية عابرة في تاريخ فلسطين، وما كانت حادثة استشهاده، ومعه زوجاته ومعظم أبنائه وبناته، محطة يمكن أن تُنسى وإن أهال عليها الزمن سنوات عديدة، حتى إن أحدثت الأيام في الذاكرة جراحاً أخرى لصيقة بالمرء، أو أسالت قدراً من دمه أو استنزفت مساحة شاسعة من أوجاعه الخاصة.

كان نزار ريان، رحمه الله، واحداً ممن يمنحك وجودهم نوعاً من الطمأنينة الغامضة، والسلام الداخلي النفيس، لأنك تجد في كلماتهم عزاءك، وصدى ما تعجز عن قوله، مثلما تجد في فعلهم ما يعالج يقينك إن وَهن، ويُنهض عزمك إن ذوى. كان الرجل عالِماً متفرغاً لعلمه، لكنّه كان عالَماً رحباً أيضا، استوعب مجالاً لكلّ الواجبات، وعلى رأسها الجهاد، الذي ظلّت فسحته كبيرة في حياته، ولم ينازعها الاشتغال بالعلم مكانتَها، ولا أغرى صاحبَها لينكفئ على نفسه وأبحاثه وطلّابه متعلّلا بعظمة واجب طلب العلم وتبليغه.

ليس أعسر من أن تكون النماذج البشرية القريبة من الكمال شحيحة في زمن موحِش ومرحلة كسيرة، فتلك النماذج فقط من تملك أن تجنّد خلفها الجماهير، وقلوب الأخيرة عامرة بالثقة والتأهّب والاطمئنان

كان أبو بلال من الصفوة الخاصة في فهمه وفقهه وفكره، أي ممن نسميهم النخبة، لكنه كان أيضاً قريباً من عامة الناس، يعيش بينهم ويرى همومهم، ويخوض المعارك الشعبية والعسكرية وهو في مقدمتهم. كان حاضّاً على الجهاد محرّضاً على القتال في خطبه ودروسه، لكنه كان أيضاً يتقدم الصفوف ويرابط مع المرابطين ويحمل السلاح ويتفقد الثغور. وقبل ذلك بادر إلى تجهيز ابنه إبراهيم لتنفيذ عملية عسكرية ضد الاحتلال مطلعَ انتفاضة الأقصى. كان منظّراً للأفكار الكبيرة، وهو أول من يطبقها، وآخرها الاعتصام داخل وحول البيوت التي يهدد الاحتلال الصهيوني بقصفها، فقضى وهو ممسك بعنان العزيمة الكبرى، ومتشبث بكل فكرة دعا إليها وحشد الجماهير حولها.

يوم أمس كتب نجله براء، في ذكرى استشهاده: "في مثل هذا اليوم، قبل تسع سنين، قتلت "إسرائيل" عائلةً كاملة، لا لشيء إلا لتكسر إرادة الشعب وترعبه وتحطّم رمزًا شعبيًّا عرف بالتمسّك بالأرض والثبات عليها. هذا نزار ريان، قتلته "إسرائيل" عن تسع وأربعين سنة، ومعه أزواجه وصغاره، أكبرهم ستة عشرة سنة، وأصغرهم سنة واحدة. قُتل جدّه وعمّه الكبير بين غزة وعسقلان في 1949، وهاجرت جدّته أرملة وأبوه يتيمًا في العاشرة من عسقلان إلى جباليا، وعاش مقاتلًا على أمل العودة إلى عسقلان حتى قتلته "إسرائيل" ومعظم ذريته في 2009".

ولعل "إسرائيل" لا تخشى شيئاً مثل خشيتها من النموذج القدوة، الحامل كلَّ من حوله على التأسّي به، وذي الأثر الممتد إلى مساحات أبعد من نطاقه المحدود، ومَن تكبر معاني الصدق والإخلاص في قلبه حتى تندفع لتشكّل ملامحه، فتستحضرها إذا رأيته، بل تغدو تلك المعاني وإياه شيئاً واحدا، حتى إذا طال الزمن على رحيله واحتجْتَ أن تدلل على سموّ المعاني بنماذج من التاريخ المعاصر قفز اسمه في ذهنك تلقائيا، وشقّ عليك جمع شتات المواقف التي تدلل عليها وتؤكدها، لكثرتها، ولأن حياته في معظم تفاصيلها كانت مواقف جديرة بالاستشهاد، والتأسّي، والتمعّن، والتوقّف مليّاً أمام جلالها.

رحم الله نزار ريان وآله، لقد صدقوا الله فصدقهم، وكانت صفقتهم معه رابحة -بإذنه تعالى- لكنهم تركوا لمن خلفهم المثال الذي يصعب أن يتكرر بشموليته ومستوى علوّه

ولهذا، ليس أصعب من أن يداهمك الزمان بفتَنِهِ وضبابهِ وقسوته، ثم تتلفت حولك فلا تسعفك عيناك أو ذاكرتك الحاضرة بمثال حيّ يرمم أنقاض روحك، وتسند إليه رأسك المثقلة، وترتب بين يديه أفكارك المتناثرة وتعيد ضبط مدى رؤيتك. وليس أعسر من أن تكون النماذج البشرية القريبة من الكمال شحيحة في زمن موحِش ومرحلة كسيرة، فتلك النماذج فقط من تملك أن تجنّد خلفها الجماهير وقلوب الأخيرة عامرة بالثقة والتأهّب والاطمئنان.

رحم الله نزار ريان وآله، لقد صدقوا الله فصدقهم، وكانت صفقتهم معه رابحة -بإذنه تعالى- لكنهم تركوا لمن خلفهم المثال الذي يصعب أن يتكرر، بشموليته ومستوى علوّه، غير أن دروسه وفيرة وغنية بالمعنى الأفضل من كل باب، فذلك الصدق الحميم، والإخلاص المتناهي، والإقدام الفريد، واليقين المضاء بزيت قلوب أحكمت صلتها بالله، والزهد في الخسارات الدنيوية، والصعود الدائم إلى معالي الأمور.. كلّ هذه أمور لا تجتمع لكثيرين في دنيانا، لأن التحامنا بها يحملنا غالباً على النفور مما نظنّه مغرِماً ومتعباً ومحرقا، حتى مع قناعتنا بأن آخره فوز عظيم وراحة كبرى ونور فيّاض.