المَسيحُ ما زال حَيًّا

الإثنين 25 ديسمبر 2017 09:13 م بتوقيت القدس المحتلة

المَسيحُ ما زال حَيًّا

بقلم الشاعر الأردني: أيمن العتوم

حكمَ أوغسطس وتيباروس وكاليغولا وكلوديوس ونيرون وفاسبازيان وتيتوس ودوميتيان وماتوا جميعًا وظلّ المسيح حيًّا. ماتتْ أفكارهم ولم يحتفظْ بها إلا التّاريخ في متحفه، أمّا أفكار المسيح فلم تمتْ قطّ، حفظها التّاريخ وحفظتْها القلوب. أمّا الأباطرة الّذين ضاقتْ بممالكهم وجيوشهم الأرض فقد ماتَ بعضُهم ببعض، وأفنى بعضُهم بعضًا، بالسّم أو بالانقِلاب أو بالنَّحر، أو بالانتِحار. إنّ الظّالم ليقتُل نفسه قبلَ أنْ يشرعَ في قتل الآخرين "لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ".   

وكلمة الله تسير في الأرض بقوّة السّماء، تزرع الأمل في الدّروب، تُحيي الطّمأنينة في النّفوس، وتعدُ بالفوز بعد الانهزام، وبالنّور العميم رغم سجفات اللّيل السديميّ الكثيف.

ظلّ في قلبه، حتّى بعد أن ارتفع المسيح إلى السّماء، وظلّ واضِعًا رأسه على صدره على غرار اللّيلة الأخيرة، كان صدر المسيح ليلتئذٍ قد نثر في رأسه كُلّ البركات الّتي سترافقه قرنًا كامِلاً. حينَ كان يكتب إنجيله، لم يكنْ ليقول إنّه إنجيل يوحنّا، لأنّ يوحنّا يتعدّد، لكنّ حُبّ المسيح الّذي منحه له لا يمكن أنْ يتعدّد أو يتكرّر، ولذلك كان يختم إنجيله بهذا التّوقيع الّذي هو أغلى عنده من روحه: "التّلميذ الّذي كان يسوع يحبّه".

كم هو شرفٌ أنْ تكون تلميذًا للمسيح، تلميذًا حقيقيًّا، يصدر من مِشكاته ويقبس من أنواره، لا كأولئك الّذين تكبّروا بما لديهم من العلم، فجعلوا تعاليمهم أعظم من تعاليم المسيح، بل وبدا كأنّهم يجعلون المسيح نفسه تلميذًا لهم وأنّهم يُكملون رسالته بوحيٍ منه، وما كان وحيًا، بل كان وهمًا واتّباعًا لخطوات الشّيطان.

في كلّ عصرٍ من عصور الضّلال أُثبّت المؤمنين المهتدين لكي يبقوا شوكةً في حلوق الشّياطين، الشّياطين الّتي تلبسُ جلودَ آدميّين في أزمنةٍ مُختلفة. وسأبقَى معهم بروحي، إلى أنْ أجيء بجسدي وروحي في آخر الزّمان

كانتْ يد الشّرّ قد استحكمتْ وطالتْ كلّ بَرٍّ وتقيّ. وأوكل القيصر نفسه أتباعه أنْ يأتوه بيوحنّا؛ لقد قطع رؤوس السّابقين وألقى بهم في النّهرولم يبقَ من رؤوس الفاسدين في ظنّه إلا هو، فليُؤتَ به. كان ذلك  التّلميذ -الّذي بدا شابًّا يافِعًا في ما مضى- قد صار عجوزًا هدّه الهرم وأنحل جسده فَتُّ الزّمان فيه؛ ورغم ذلك جاء به الرّومان ودعوا النّاس إلى أنْ يروا نهايته، فقد كانوا يستمتعون بالقتل، ويدعون النّاس إلى الاستمتاع به.. أُوتِي بِقِدْرٍ كبيرةٍ تسَع خمسةَ رجال، فمُلِئتْ بالزّيت، ثُمّ أوقدتْ تحتها النّار حتّى صار الزّيتُ يغلي فيها، وصوتُ بقبقات فقاعاته يُسمَع من بعيدٍ، وبُخار غليانه يتصاعَد أمام النّاظرين، ثُمّ جيءَ بيوحنّا الرّسول مُقيّدًا، فلمّا اقترب الجنود الذين يحرسونه من القِدر لم يُطيقوا حرارتها، فابتسم، وقال لهم: فُكّوا قُيودي ولا تُحمّلوا أنفسكم عناءَ دفعي وأنا أُلقي بنفسي في القِدْر.. وصدّقوه، لأنّ الحواريّين لا يكذبون، ولا أشدّ معرفةً بصِدق المؤمنين من الكَذبة المُنكرين!

لكنّ الخوف يغلبُ الحقيقة. فمشى يوحنّا كأنّه إلى روضةٍ من رياض الجنّة، ووقفَ في القِدْر على رِجلَيه، وظلّ واقِفًا دون أنْ يصرخَ أو يتألّم أو يذوب، كأنّه يقفُ في الجنّة، ورُئِي من خلال غمامات البُخار المُتصاعد باسِمًا، وكأنّه محفوفٌ بالرّحمة والسّكينة، فتعجّبوا أيما تعجّب، وظنّوا أنّهم سُحِروا ولم يُصدّقوا أعينهم. ثُمّ لمّا طال به المُقام، قال لهم: "أمَا استحييتم؟ أما عندكم من وسيلة أخرى تُقرّبونني بها من سيّدي؟!". ثُمّ خرج من القدر يمشي لم يمسسه شيءٌ، ومرّ من أمامهم وهم ينظرون إليه دون أنْ يحرّكوا ساكِنًا، ولم يدروا أسُلِبتَ منهم إرادتهم فلم يقدروا على إلقاء القبض عليه من جديد؟ أم أنّ ذهولهم ربطَ أيديهم فلم يقدروا على الحركة شبرًا واحِدًا؟ لكنّ الحقيقة الّتي ظلّ يتحدّث بها الرّومان ويختلفون في تفسيرها أنّه دخل القِدر الّتي تفور بقدمَيه طواعية، وخرج منها سليمًا دون أنْ يُمسّ بأدنى أذى!

وألقِي القبض عليه من جديدٍ، ولكنْ هذه المرّة لا لقتله، فقد علموا أنّ كلّ قوّة روما وبأسها لن يقدر على جسد هذا الرّجل الضّعيف، وأنّ سحره لا يُبطله شيءٌ، فأرادوا أنْ يُبعِدوه عنهم حتّى لا يجتمع عليه النّاس، فنُفِي إلى جزيرةٍ في بحر إيجة. وهناك عرفَ أنّ يد القدر بعثتْ به إلى هنا ليتفرّغ لإتمام كتابة إنجيله ورسالته، ولكي يكون ذلك خاتمةً تليق بحياة رسولٍ ظلّ يفتخر بأنّه التلميذ الأقرب إلى قلب المسيح. كان ذلك عام 100 م حينَ طلبَ منه الملاك الّذي طلبَ من يوسف أنْ يرافقه. لم يقلْ شيئًا، وضعَ يده في يده وارتقيا معًا.

لقد كانوا رسلي إلى العالَم، الحواريّون لم يكذبوا بكلمة، أعرفُ أنّ آخرين فعلوا. الحواريّون ظلّوا أمناء على العهد حتّى آخر نبضٍ في قلوبهم، إنّني في نهاية هذا القرن أباركهم، اجتمع بهم، كما أجتمع بكلّ مَنْ آمن بي دون أنْ يزيد على ما قلتُه شيئًا. إنّني من موقعي السّماويّ وُهِبتُ القدرة على أنْ أرى كلّ شيء، أسمع ما يدور، إنّني حيّ، كما هم كلّ إخوتي من الأنبياء والمُرسلين.

وهذا سببُ أنّني في كلّ عصر من عصور الضّلال أُثبّت المؤمنين المهتدين لكي يبقوا شوكةً في حلوق الشّياطين، الشّياطين الّتي تلبسُ جلودَ آدميّين في أزمنةٍ مُختلفة. وسأبقَى معهم بروحي، إلى أنْ أجيء بجسدي وروحي في آخر الزّمان. الحربُ الّتي كانتْ بيني وبين الشّيطان على الجبل أيّام رسالتي الأرضيّة لم تنتهِ، ما زال الشّيطان يُبارِزني ويُبارز أوليائي، إنّها تتجدّد، وهي ما زالتْ قائمة، وستظلّ كذلك تقوم في عصورٍ مختلفة إلى أنْ يجيء اليوم الّذي ستنتهي فيه، ولن يكون ذلك اليوم إلاّ بنزولي من السّماوات في محفلٍ مهيب، وها أنتم شهودٌ عليه. السّلامُ على أرواح الصّادقين. السّلام على أرواح المُوحّدين، "والسّلامُ عليّ يومَ وُلِدتُ ويومَ أموتُ ويومَ أُبعَثُ حَيًّا".