من للقدسِ بعدك يا إبراهيم؟

الأربعاء 20 ديسمبر 2017 05:08 م بتوقيت القدس المحتلة

في كل يومٍ كانت له حكاية بلون المعاناة، “بلا أطرافٍ” عرفته غزة يدفعُ عربته باحثاً عن لقمة عيشه لتكون يده العُليا، فقد رفض بأن تكون يده السُفلى، رغم أن الله تبارك وتعالى منحه رخصةً “لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ..”، لكنه أدرك بأنه قادر ٌعلى التقاط لقمة عيشه لنفسه ولعائلته الفقيرة من عرق جبينه.11

 هو إبراهيم أبو ثُريا “29 عاماً”، في أيامه العادية يبحثُ عن لقمة عيشه وعائلته في شوارع غزة وأزقتها التي ضاقت بأهلها حصاراً وتضييقاً، وحينما ينادي منادي الوطن “أن يا خيل الله اركبي”، يترك العمل وينتقل إلى ساحةٍ أخرى تعرفه، وعلى الحدود الشرقية المواجهة للعدو الصهيوني يستقرُ به المطاف، الشبان يبحثون عن سواتر تقيهم قنابل غاز الاحتلال ورصاصه الغادر، أما هو فيمكثُ في أقرب نقطة من الجنود المدججين بسلاحهم، يرفعُ علم فلسطين لأعلى نقطةٍ يمكن أن يصل إليها ما تبقى من جسمه، بل وينزل عن عربته ويبدأ بالزحف على تُربةِ فلسطين الصلبةِ في تلك المنطقة.

 خلال العدوان الذي شنه الاحتلال الإسرائيلي على غزة في العام 2008م، تصدى “إبراهيم” لقذائف الاحتلال، وحينها مزقت جسده وخطفت أطرافه السُفلى منه، لكنها لم تُفلح في نزع روحه من بين جنباته، لأن روحه بيد الله.

 منذ تلك اللحظة تعالى “إبراهيم” على جراحه، وقرر رغم أنه أصبح “بنصف جسد”، أن ينقش صورةً له في أرشيف العز والمجد الفلسطيني، كان يتعاملُ على أنه يمتلك أطرافا أكثر من الأصحاء أنفسهم، وفي كل يوم يخرج مبكراً كالطيور بحثاً على لقمةِ عيشه، وكلما انتفض الشباب الفلسطيني على الاحتلال رفضاً لسياساته في القدس وأرض فلسطين، غَضِبَ “إبراهيم” وترك عمله، وبحث عن نقاط المواجهة الأشد مع قوات الاحتلال، ليستقر فيها، يغرسُ بقايا جسده في التراب ويحمل علم فلسطين بألوانه الأربعة، ويهتف بأعلى صوته في شباب فلسطين: تقدموا.. لا تخافوا، صواريخ “إسرائيل” لم تقتلني فهل ينالُ منا الرصاص.

حينما استمع “إبراهيم” لخطاب الرئيس الأمريكي “ترامب” والذي وقّع خلاله على قرار يعترف بموجبه بالقدس “عاصمة” للكيان الإسرائيلي، ترك أعماله، ولم يكترث لقدميه المبتورتين، وبشكلٍ يومي كان شُغله الشاغل مواجهة جنود وقناصة الاحتلال بسلاحهم على الحدود الشرقية من مدينة غزة، وكلما تراجع الشباب الفلسطيني الثائر أمام شدة رصاص الاحتلال وقنابله التي يُطلقها صوب شباب فلسطين، صاح بهم “إبراهيم” غاضبا: إنها القدس.. نموت ولا تموت.. إنها القدس أمانة الله لنا فلا تخذلوها.. إنها القدس لن نفعل معها كما يفعلُ العربُ والمسلمون هذه الأيام.

وفي يوم جمعته الأخير، هتف “إبراهيم” وتقدم الشباب كعادته.. نظر الأصحاءُ إلى أنفسهم فخجلوا منها، “إبراهيم” المقعد يتقدمُ الصفوف، بينما هم يبحثون عن الأمان.. انطلق الشبان بعدما هتف فيهم الفارس المُقعد، اشتبكوا مع قوات الاحتلال، قذفوهم بالحجارة، فأرهبوهم، حينها أدرك قناصٌ حاقد جاء لفلسطين من روسيا وربما من نيويورك، أدار بندقيته صوب جمجمة “إبراهيم” اعتقاداً منه بأنه سيبحثُ عن الأمان، غير أن “إبراهيم” بقي ثابتاً ولم يلتفت إلى الوراء، استقبل رصاصة ذلك الجندي، فسقط مدرجاً بدمائه، شاهداً علينا وشهيداً، وقد أعذر إلى الله أنه لم يقبل تمرير “ترامب” بحق القدس.

مضى “إبراهيم”، لكن الكثيرون حتماً سيبدؤون بعد رحيله تقليب أرشيف العزة والكرامة، لمعرفته عن قرب، وإدراك العزيمة والإرادة التي كان يمتلكها، وخلال بحثهم سيعثرون على كلماتٍ مصورة له أطلقها قبل أيام على استشهاده خلال إحدى أيام المواجهات مع الاحتلال شرق غزة رفضاً لقرار “ترامب”، سيستمعون لـ” إبراهيم” وهو يقول: “أنا متواجد على الحدود لإيصال رسالة للجيش الإسرائيلي الأرض أرضنا هنا.. لن نستسلم لقرار الرئيس الأمريكي وسنواصل الاحتجاج على الحدود”.

حينها حتماً ستنحدر الدموع من عيوننا، ونبكي “إبراهيم”، بل وسيتمنى كل واحدٍ فينا لو رافقه مرةً واحدة رافضاً لتدنيس قبلتنا الأولى، لكننا رغم ذلك لن نجد أنفسنا إلا ضعافاً أمام إرادة “إبراهيم”، أما القدس فحتما سوف يجدُ الطريقُ إليها أمثال “إبراهيم”، كما عرفها صلاح الدين والفاروق عمر