أقصى الكلمات وأقصى المسجد

الثلاثاء 19 ديسمبر 2017 09:12 م بتوقيت القدس المحتلة

أقصى الكلمات وأقصى المسجد

بقلم المخرج السينمائي: نورس أبو صالح 

دارت كلمات الأرعن فينا دورتها، وهو يعلنها دون أدنى صفة، ثم توالت المشاهد الصارخة حقاً دافقاً، فتوارى كُثُرٌ كنا نظنهم غير متوارين، أو كنا ننتظر منهم ذكاء التواري، أو تأخيره، وتظاهر كثر كنا نظنهم من غير المتظاهرين، والركب يعلن نفيره، في شوارع ما علمنا عليها إلا هذا منذ النكبة الأولى وحتى طوفان الدم في الربيع المسفوك. ولم يدر في خلد موروثنا، صفقةً تحاك على عين من الوقاحة لا مواربة فيها، فهل كنا ننتظر المواربة مرة أخرى، أم أن الفجاجة فاجأتنا، فرضينا بالزنا لكن ليس على أعين الناس، كما في حديث شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة.

ثم انتفضت الأرض بنبتها، الذي لم يعرف منها إلا بساطير محتلة في ليلة شتوية، تترك أثرا ثقيلاً، على حمرة الترب بين ظلال الزيتون، المشبع غازاً مسيلاً ورصاصاً مطاطياً وصولات استيطان. فافتتح المشهد معصوب العينين، بجمعٍ من الجند، وجسدٍ لا يكاد يَبين، تعلوه حمرة وجه، وشموخ عنق. فصيغت فيه الحكايا ورسمت فيه اللوحات التي لم تكن سوى إعادة خلقٍ، لبهاء اقتنص لحظة مجد، لكنها لم تجد عين دافنشي، فلم تُخلد في متاحف الدنيا، ويا أسفاً على لوحات متاحف الدنيا، إذ تغدو في جعبة مَن لو أدركه دافنشي، لطمس على مخلصه وجدّف بحق المسيح.

ثم تعبر مشهدنا على طرف من الحنق، واسترسال من اللسان، "حَجّةٌ" متدفقة، بشلال من شتائم ثورية، ورثتها في كل نكسة، وراكمتها على كل مفترقٍ وحاجز، وابتلعتها على كل حدود، حتى إذا ما وصلت قعر المتخاذلين، والدرك الأسفل من ظالمي القربى، رمتهم بذات الشرف، فانتشى الجمع المنتظِرُ "فشة الغل"، وسُحِب المايك من أنيقٍ متدارِكٍ، وقلبه مطمئن بما نُطق، فتدفق الطلب الأوضح، عبر كل المنابر، أن أعيدوا لها المنبر، أعيدوه للحجة.

ثم احتشد الترك عن بكرة أبيهم، بحروفهم التي تأبى التقاء الساكِنين، فيصيحون بكل ما أوتوا "قُدُس يا الله"، يجاريهم في ذلك شرقيو النهر من منبعه حتى مصبه، يصدق شهامتهم، طيارٌ من بداوة قبائلهم، بعدما عبر الرحلة الأقدس، فوق التراب الجار، فجاء الصوت بلسان طَلِقٍ مُبين، "هنا فلسطين". ثم فاض ماليزيو الشرق الأقصى، وتعاضد المغتربون في دول الغربة، بينما تهامس الكل في فئة، سواءٌ المغلوب عليها في أمرها، أم المتواطئة علينا في أمرنا، وحال همسهم نداء الحجة "يا عرب".

ولما برز ممتشق سكين هنا، يقيم الحجة على عتاد وعدة، لم يملك من أمر دفاعه سوى أداة مطبخ حادة، أخفاها على مهل بين الحزام والخصر، هناك حيث تلقى الرصاصة والعشرين، وسقط أمام الجميع، وربما سقط الجميع أمامه وارتقى.

وعلى الطرف الأخر صاح دفّاق دم هناك، يحيي الصحراء الموات بساكنيها، ومبتور ساقين، معتضد راية، محلق روح، يقرئ جثثنا السلام، ويلقي بمقعده المتحرك خلفه على درجات المعراج، هنا التمعت تلك القبة الذهبية، بصخرة معراجها، وارتعش الحائط الغربي ببراقه المربوط المنتظِر، فرأينا الله في الساحات والأطفال، وزجاجات الحرق المسكوبة باسمه على زي الجند البغيض، وفوق عربات العسكر المحصنة.

ثم أطلت علينا الجريحة المضمدة، أم الجميع الوقورة، النازفة الأولى والصامدة الأخيرة، قِبلة المقاوم، وشوكة الحلق. موئل الرباط ومصنع الصاعدين. تلملم أبناءها من بطن الأنفاق، وتنادي عليهم بأمواج البحر، وترفعهم على كف من النصر والحلم، فيلبونها، نافضين الركام الذي لم يُعمّر بعد، وتاركين شبكات الصيد التي لمّا تمتلئ بعد، يلبونها معصوبي الجباه، ممتشقي السلاح، بين حشد لا يُجمع بكل مال الصفقات، ولا رشوات الأبيض من البيوت، ولا تخويف الترحيل إلى صحراء خلف الحدود، فيعطوننا من الكلمات أقصاها و من الحلم أبعده، ومن الإصرار ذروة سنامه، ومن الرجال، أشرسهم وأوضحهم بوصلة وأبلغهم حرفاً، فتربت أمهم بيقين على كتف القدس، وتهمس في أذن المرابطين، "هنا غزة"، لا تلبث أن تلملم الجرح حتى تنطقه مرة أخرى، ولا تلبث أن تجود بالأبناء، حتى تُرزق بغيرهم، فلا تبتئسي، وهذه بعض الرشقات لعسقلان حتى حين.