حلف القدس

الإثنين 18 ديسمبر 2017 07:27 م بتوقيت القدس المحتلة

من العرف في علم الجريمة الجنائية أن يعود الفاعل إلى مسرح الجريمة ليتأكد أن الأمور ما زالت على ما يرام.. لكن في علم الجريمة السياسية يغيب الفاعل ويتماهى في الغياب كي يبعد الأنظار عنه وعن "حبره السرّي" الملتوي والواصل إلى رحم محبرة البيت الأبيض..

من حضروا قمة منظمة التعاون الإسلامي الأخيرة في إسطنبول هم وحدهم من تعنيهم فلسطين أكثر من غيرهم، وهم وحدهم الذين يتوهّجون حد الاحتراق لأجل القدس وعروبة القدس وحقّ القدس ونصرة القدس، ومن لاذوا بالصمت أو الاعتذار تكوّروا في "المشيمة" الأميركية واكتفوا بالسكوت كأعلى درجات التعبير والقلق والخوف، فالعروبة بالنسبة لهم موضة عتيقة، وفلسطين ثوب مزّقته سكاكين العقود السبعة، والقمم الناجحة تلك التي تــُعقد بعيداً عن عيون الأشقاء، ولا شيء يستحق هذا الغضب وهذا القلق ما دامت الرياضة المفضلة لديهم هي رياضة ركوب الأمواج وبالمحصلة لا مصلحة تعلو على مصلحة البقاء في حضن العم سام الدافئ..

من حضروا قمة إسطنبول هم "حلف القدس" الحقيقي، القلِقُ على المدينة المقدّسة، الحارس على مفاتيح العودة التي تعرّقت عليها أيادي سبعة أجيال، الذين يضيئون اسم فلسطين في كل محفل ولقاء وقمة ومؤتمر دولي، لكن بالمقابل ضرب الورق لا يؤلم، ورذاذ الكلام لا يغرق.. كنا -نحن الشعوب المتعطّشة للكرامة- بانتظار قرارات حقيقية تمشي على سكة التنفيذ لا طرح الأمنيات وتبني "الرومانسيات السياسية"، كل القادمين إلى قمة التعاون الإسلامي يعرفون أن القدس عربية، وأنها عاصمة فلسطين، وأن التصرف الأميركي "الترمبي" استفزازي ومتهور ولا تؤمن عواقبه، لكن ما الخطوة التي ستجعل ترمب يقلق خمس دقائق إضافية قبل أن "يرتدي" بيجامة نومه.. ما الذي سيجعله يجعله يضع الشوكة والسكين من يده ولا يكمل عشاءه بعد أن جاؤوا له بالتوصيات.. حتماً لا شيء..

فقط لو حوّلنا مسار استيرادنا من أميركا إلى أوروبا والصين وشرق آسيا حتماً ستراجع أميركا حساباتها وستعرف أن "منظمة التعاون الإسلامي" فعلاً "منظمّة" وتستطيع أن تؤلمها إن هي أرادت ذلك

أكثر من 48 دولة إسلامية شاركت بالقمة من العاهل إلى الزعيم إلى وزير الخارجية إلى رئيس الوفد، ولم تتخذ خطوة عملية واحدة موجعة لأميركا و"إسرائيل" مع أن الخيارات الدبلوماسية والاقتصادية كلها متاحة، والسؤال البسيط والساذج كم تنفق من هذه الدول الــ" 48" على شراء الأسلحة من أميركا كل عام؟ كم مليار يذهب إلى واشنطن بحجة تكنولوجيا التسليح والدفاع و"التنفيع"؟ ماذا لو توجّهت هذه الصفقات إلى أوروبا التي اتخذت موقفاً أصلب من بعض مواقفنا العربية؟.. لماذا لا تغلق مكاتب التمثيل والسفارات العربية في "الكيان الإسرائيلي" كخطوة احتجاجية على نقل السفارة.. لماذا لا توقف المستوردات التي صارت تزجّ زجاً في أسواقنا بدءاً من المانجو وليس انتهاء بالبرتقال المهجّن..؟؟

 إذا كنا نريد أن نوجع أميركا وإسرائيل معاً علينا ألا نضرب أصابعها بورق المحارم، الدول الإسلامية المشاركة في مؤتمر القمة موازناتها بـ"الترليونات"، فقط لو حوّلنا مسار استيرادنا من أميركا إلى أوروبا والصين وشرق آسيا حتماً ستراجع أميركا حساباتها وستعرف أن هذه "المنظمة" فعلاً "منظمّة" وتستطيع أن تؤلمها إن هي أرادت ذلك.. كيف "تتحكم الصهيونية" العالمية بالقرار الأميركي، أليس بنفس الطريقة والحرب الاقتصادية والمنفعية؟!

من يظن أن أميركا عاطفية فهو مخطئ، لا عاطفة ولا تعاطف بالسياسة، البراغماتية هي التي تغير وجهة البوصلة دائماً.. للأسف حتى "البراغماتية" لا نحسن استخدامها في أكثر قضايانا حساسية واهمية وتعقيداً.. كل أوراقنا مكشوفة لخصومنا ونصر على الاستمرار باللعب رغم الخسارة المتتالية.. خبئوا أوراقكم عن عيون خصومكم واستخدموها في أوقاتها حتى تجربوا معنا الانتصار مرة..