ترامب يفي بوعده التوراتي!

الإثنين 11 ديسمبر 2017 06:16 م بتوقيت القدس المحتلة

"سقطت أمريكا منذ ولادتها في حلة الألفية ولم تخرج منها قط"

(ريتشارد لاندز)

دأب الزعماء الأمريكيون المدنيون والسياسيون على التحدث بصورة رسمية عن "الأمة الأمريكية"، كما لو أنها أمة مسيحية، أو على الأقل أمة تتبع "الكتاب المقدس"، حيث وصف كل من السياسيين ورجال الدين باستمرار أمريكا، بأنها "إسرائيل" الجديدة، و الأمريكيين بأنهم "شعب مختار"، وشعب مرتبط بميثاق "مع الله"، بل إن خطابات تنصيب رؤساء الجمهورية طيلة القرن العشرين، قد طبقت العبارة البلاغية التي كان جون وينثروب، أول من استعملها عام 1630 م، التي تصف أمريكا بأنها "مدينة على تل" [تعبير من النصوص المقدسة يقصد منه مدينة القدس، وعلى الأخص القدس الجديدة على تلة صهيون التي سوف يحكم منها المسيح مملكته الألفية الأرضية، وهي المدينة التي سينتشر منها نور الهداية الذي سيعم البشرية كلها].

وما دامت أمريكا "مدينة على تل"، و"إسرائيل" الجديدة وشعبها مرتبط بميثاق "مع الله"، أي أن تاريخها لم يكن إلا تأسيِّاً بفكرة "إسرائيل" التوراتية، أو كما كما يروي المؤرخ كونراد شيري، فان تاريخ أمريكا هو "القناعة الراسخة بأن الأمريكيين هم "الإسرائيليون" فعلاً، وشعب الله المختار حقاً". 

فقد كان طبيعياً أن يلعب الدين دوراً رئيساً في الحياة الأمريكية، بدءاً من خطبة جون وينثروب (1629م) [يُراجع مقالنا: أميركا "الإسرائيلية"] وانتهاء بقرار ترمب باعتبار القدس عاصمة "إسرائيل"! وأن "القدس عاصمة أقامها الشعب اليهودي في الزمن الغابر"!

علقت باولا وايت، وهي أحد القساوسة المشرفين على مركز نيو ديستيني الإنجيلي، على قرار ترمب بقولها: "نحن الإنجيليون في حالة نشوة لأن إسرائيل بالنسبة لنا أرض مقدسة والشعب اليهودي أغلى صديق لنا"

في هذا الصدد، يقول رضا هلال، في كتابه "تفكيك أمريكا": وهكذا، فإن التراث اليهودي للمسيحية الأمريكية، كما يقوله بول فندلى: جعل الكثيرين من المسيحيين الأمريكيين يشعرون بأن إنشاء دولة "إسرائيل" عام 1948 جاء كتحصيل للنبوءات التوراتية، وأن الدولة "اليهودية" ستظل تلعب دوراً مركزياً في مخطط السماء والأرض. وجاء انتصار "إسرائيل" العسكري في حرب 1967 واحتلال القدس ليمثل عندهم تأكيد تنبوءات التوراة والخطوة قبل الأخيرة للمجئ الثاني للمسيح، إذ إن الخطوة الأخيرة إعادة بناء المعبد فوق قبة الصخرة، ويستخلص فندلى، أن التركيز على التراث التوراتي جعل كثيرين من المسيحيين الأمريكيين ينظرون إلى الشرق الأوسط والصراع الدائر فيه، كانعكاس للأحداث التي يصورها العهد القديم، فإسرائيليو القرن العشرين يصبحون في أعينهم بني "إسرائيل" التوراة، والفلسطينيون يصبحون "الفيلستين" الذين حارب بطلهم "جوليات" داود.

يحلل ويزلي جرانبرج مايكلسن، عناصر صورة العرب لدى اليمين المسيحي الأمريكي، في دراسة مهمة تحت عنوان "اليمين الإنجيلى وإسرائيل: أى مكان العرب؟" فالعرب مجرد "أحجار شطرنج" في لعبة مقدسة كونية وقوة هيستيرية لا تصلح لأى دور إيجابي أو إصلاحي في التاريخ كذلك ينظر اليمين المسيحي الأمريكي للعرب على أنهم أعداء الرب، فنزاعهم مع "إسرائيل" يصبح تحدياً لإرادة الرب، وبينما يتجه التاريخ نحو ذروته النهائية، يصبح العرب بؤرة الشر متحدين في وجه الرب مع المسيح الدجال. أما المسيحيون العرب، فمنسيون، بل لا وجود لهم، حتى أولئك الذين يعيشون في فلسطين من أيام يسوع، فالمسيحية العربية في ممارساتها ومضامينها خارج نطاق التراث الأنجيلي، وما دام الرب قد أراد أن تنشأ دولة "إسرائيل" فإن أى ادعاءات للعرب والفلسطينيين في المناطق أو القدس هي ادعاءات كاذبة لأنها تخالف ما يريده الرب. 

هكذا، يمكننا القول إن المعتقدات الدينية الأمريكية المتأثرة بـ "الكتاب المقدس"، لعبت دوراً أساسياً في قرار ترمب باعتبار القدس عاصمة "إسرائيل"! فهي تمثل تأكيد تنبوءات التوراة داخل نطاق التراث الأنجيلي، وهذا ما يؤكده تصريح الناطق باسم مجموعة المستشارين الإنجيليين لترمب، جوني مور، لقناة "CNN": أن الرئيس [ترمب] قد أثبت لمؤيدين الإنجيليين أنه يقول ما يفعل ويفعل ما يقول.

بدون فلسطين، والقدس تحديداً، لن يكون هناك غرب وشرق. فباسم احتلال فلسطين [أرض كنعان] صنع الإنكليز أمريكا وصاغوا فكرة أمريكا، وباسم هذه الاستعارة خَلَقوا سكان قارتين كاملتين وأبادوا ملايين البشر

في ذات السياق، جاء تعليق باولا وايت، وهي أحد القساوسة المشرفين على مركز نيو ديستيني الإنجيلي، على قرار ترمب بقولها: "نحن الإنجيليون في حالة نشوة لأن إسرائيل بالنسبة لنا أرض مقدسة والشعب اليهودي أغلى صديق لنا".

ونختم، مقالنا، بما كتبه منير العَكش، في كتابه "أميركا والإبادات الجنسية": ليس هناك من رئيس أو إدارة أو مؤسسة أمريكية حاكمة تستطيع أن تتحدى هذه الثوابت. فلسطين ليست كوريا أو فيتنام أو أفغانستان أو الفلبين. فلسطين هي الرحم الذي ولّد منه الغرب اصطلاحاً ومفهوماً مقابل العالم العربي الإسلامي حضارياً وجيوسياسياً. فلسطين، والقدس تحديداً، هي الشرارة التي أشعلت نار المواجهة التي أجّجها الغرب على مدى السنوات الألف الماضية.

لا يمكن فهم قضية فلسطين بمعزل عن المواجهة مع الغرب الذي تجسده اليوم أمريكا وقُفّتها البريطانية. بدون فلسطين، والقدس على التحديد، لن يكون هناك غرب وشرق. فباسم احتلال فلسطين [أرض كنعان] صنع الإنكليز أمريكا وصاغوا فكرة أمريكا، وباسم هذه الاستعارة خَلَقوا سكان قارتين كاملتين وأبادوا ملايين البشر في البقعة التي تسمى اليوم الولايات المتحدة، كما فعلوا ذلك في أستراليا ونيوزيلاندا ومئات الجزائر التي استعمروها.