مخطوفون في طائرة حماس

الإثنين 04 ديسمبر 2017 08:54 م بتوقيت القدس المحتلة

على مدار عقدٍ من الزمن وزيادة كُنا محاصرين في غزة، في كل صباح نتمنى لو أننا مثل البشر في كافة أرجاء العالم، صحيحٌ أننا عشنا على بقعة ساحلية اسمها غزة، وكذلك أخبرنا الآباء والأجداد.. أمضينا بصحبتهم الكثير من الأوقات، وخرجنا في نزهات نهاية الأسبوع حينما توفرت بعض النقود في جيوبهم بفعل ذلك الحصار، وعلى هامشها عرفنا قصة مولدنا على تُراب غزة، لكن لاحظنا أن آبائنا كلما تحدثوا معنا عن حكايا معيشتنا على هذه الأرض سيطرت التنهيدة والحسرةُ بين كل قصة وقصة، من رواية معاناة الفلسطيني الطويلة من التضييق والحرمان.11

وبينما كُنا نسرح بأفكارنا في حكايا كبارنا، ونتأمل مكنوناتها، لم نكن ندرِ كثيراً معنى السفر بالطائرة، كما فعل أجدادنا حينما كان لفلسطين أول مطارات جوية في المنطقة العربية. السفر بالطائرة كان حلماً يراودنا كل صباح، فتلك أمنية كل شابٍ يتمنى معرفة تضاريس العالم، ومعالمه الطبيعية.

غير أننا في غزة ورغم أن لنا سماء ولنا بحر ولنا طرقا برية، غير أننا لم نعلم معنى السفر بالطائرة، فلا طائرات عندنا ولا مطارات، ولم نعرف كيف يقضي المسافر أوقاته حينما يسافر بالسفينة، فلنا بحر لكن لا سُفن لنا ولا ميناء، أما القطار فهو الآخر لم نره في غزة، ربما لأننا محاصرون بأسلاكٍ شائكة من قبل شقيقتنا مصر أو من قبل الاحتلال الصهيوني.

خلال أحد عشر عاماً عشنا ثلاثةً من الحروب التي شنها علينا المحتل الغاشم لأرضنا في غزة، استشهد الآلاف من جيراننا وأحبابنا، لكننا لم نستسلم ولم يسمح أبطال مقاومتنا للمحتل بالتوغل لمئات الأمتار على أرضنا، ومع انتهاء كل مواجهة خرجنا إلى الشوارع وحملنا مقاومينا الأبطال فوق أعناقنا، فقد منعوا المحتل من تدنيس تراب بلادنا، حتى وإن دفعنا ثمناً لذلك من دمائنا وأموالنا، فالكرامة عندنا لا تُقدر بثمن.

الكرامةُ تعني لنا الكثير، فنحن نُعاين على مدار الساعة الذل والهوان الذي يعيشه جيراننا العرب وتسابقهم لتقبيل أحذية المحتل رغبةً في رضاه، وهو ذات المحتل الذي مرغت غزة أنفه في التراب.

الكرامة تعني لنا الكثير، فنحن في قطاع غزة يغبطنا أهلنا في الضفة الغربية المحتلة على ما نحن فيه من أمن وأمان، فالمحتل لا يجرؤ على الوصول لبيت أحدنا في غزة، بينما في الضفة فالبيوت مُستباحة والممتلكات مُنتهكة، وفي الوقت الذي يشاء جنود الاحتلال يقتحمون البيوت ولا يعرفون حرمةً لها أو خشية من الوصول إليها.

قوات أمننا في الضفة الغربية والتي ننفق عليها من ميزانية الشعب الفقير بالآلاف كغثاء السيل، وفي جحورها تعيش كلما لاح لها من بعيد جنود العدو في مهمةٍ لإهانة أبناء شعبهم في قرانا ومدننا.

ليس الأمر هكذا، فماذا عساه الجندي أن يفعل وهو الذي تربى على خروجه رافعاً يديه “بأمر مجندة صهيونية مراهقة” ولا يرتدي على جسمه سوى قطعةً واحدة تُحيطُ بعورته المغلظة، دون أن يُطلق طلقةً واحدة. إن ذلك الجندي الذي تربى على هذه العقيدة لن يفعل أي شيء، بل إنه تفاجأ من غزة التي لا يوجد فيها إلا أعداداً قليلة من المقاومين والقليل من السلاح، ثم تسقي ذلك المحتل كأس الموت الزؤام كُلما فكر أن يطرق باب غزة.

في كل يومٍ ورغم حصار الأشقاء ومؤامرات أهل قوميتنا علينا في الغرف المظلمة، غير أننا نعيش في سعادةٍ؛ لأننا تمكنا من إهانة محتل بلادنا، ونتمنى في كل يومٍ لو أن زعماء أمتنا وقفوا في خندقنا، وهو خندق من شأنه أن يجعل للصفر قيمة كما في معادلة غزة، فما بالنا وإن كانت بلادنا فيها من الخيرات والموارد التي من شأنها أن تُعيدنا لسيادة العالم إن أحسنا استخدامها.

لقد تعرضنا في غزة على مدار هذه الأعوام الطويلة، لحروب على اختلافها، منها حرمان الطلبة من السفر، والمرضى من تلقي العلاج، والفقراء والأيتام من تلقي مخصصاتهم عبر البنوك، بل حتى وصل الحال بنا أن أصبحنا نسمع بأننا شاذون عن الطبيعة التي عليها الكثير من بلادنا العربية في هذه الأيام، وبات الخيار لنا إما أن نستجيب لإملاءاتهم أو أننا سنكون مسئولين عما يجري لنا، وكأن الذل والهوان هو المكان الطبيعي الذي يجب أن يكون من نصيب العربي الأبي.

وبينما كُنا في حالة ذهول لما يجري، خرج علينا عزام الأحمد القيادي في حركة “فتح” وأخبرنا بأن غزة في طائرة مخطوفة، يخطفها قادةٌ من حركة “حماس” منذ أحد عشر عاماً، بل ودبّ الخوف في قلوبنا حينما أخبرنا أنه في الزمن الحاضر يجوز تحرير الرهائن بقوة السلاح حتى وإن أدى تحرير الطائرة لوقوع ضحايا من المخطوفين!!.

بعد تصريح “الأحمد” الذي يقود وفد حركة “فتح” للمصالحة مع حركة “حماس”، أدركنا بأننا في غزة لا يجب أن نفكر في السفر بطائرة، فنحن على متنها منذ أحد عشر عاماً، لكن ينبغي علينا شُكر “الأحمد” أن نبهنا بأننا في رحلة جوية نرتفعُ فيها بما نتمتع به من عزة وكرامة على الكثير من الناس، فهذه رحلة لن يتمنى مغادرتها من عرف قيمتها.

أنا أدرك أن رحلة الطائرة التي تحمل أهل غزة، لن يرغب أن يكون أحد أفرادها شخص يتنقل بين حواجز الاحتلال في الضفة الغربية بعد المرور من تحت “بساطير الاحتلال” باعترافه وإقراره، ولن يتشرفُ أهل تلك الرحلة أن يكون قبطانهم من يُطالب جنوده وقواته البقاء في مقراتهم وإغلاقها عليهم بينما المستوطنون يدوسون كرامة الفلسطيني وينتهكون حرماته على مدار الساعة في الضفة الغربية والقدس المحتلة.

ما أجملها من رحلةٍ حينما يكون الخاطفون فيها قدموا التضحيات تلو الأخرى ليعيش الشعب والوطن بحرية وكرامة، وهم الذين تجرعوا كأس الاعتقال والمطاردة والقتل والحصار، ثم هم أيضاً الذين أرغموا المحتل “الذي لا يُقهر” للإفراج عن مئات الأسرى الأبطال من بين شدق أنيابه مقابل جندي واحد، كما أنهم نقشوا في صخر الحصار الخانق فصنعوا الطائرة والصاروخ والقذيفة، ليرسموا بذلك خارطة عزٍ لطريق العرب الذين تاهت بوصلتهم حينما بات يتكلمُ فيهم أشخاصٌ صافحوا المحتل وثملوا من كأسه في الوقت الذي أعدوا لأبناء شعبهم ووطنهم السمَّ الزؤام.