نبيّنا (صلى الله عليه وسلم).. الشخص والموضوع

الأحد 03 ديسمبر 2017 01:08 م بتوقيت القدس المحتلة

"إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ" هو أساس ما جاء به نبيّنا صلى الله عليه وسلم، أي الوحي، وهو في ذلك داع ومتّبع ومبلّغ، "وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ"، وهذا المعنى متكرر في الكتاب، معلوم للمسلمين كافّة.

وبداهة، لا سبيل لاتّباع الوحي إلا بعد الإيمان بنبوّته ورسالته، صلّى الله عليه وسلم، ومن مضامين الوحي، الاستجابة لنداء الرسول، وطاعته، واتّباعه، وعدم مخالفة أمره، ويمكن القول إن ذلك كلّه مُتضمّن في نصّ الكتاب "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا".

إلا أنّ الإسلام لم يكتف بالإيمان المجرّد به، صلى الله عليه وسلم؛ سبيلاً للإيمان بمضمون الوحي الذي أنزل إليه، فقد نصّ الكتاب على تعزيره، أي تعظيمه وتوقيره، "فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"، "لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا"، وهذا الجمع بين الإيمان بالله وتسبيحه، وبين الإيمان بالرسول وتعزيره وتوقيره، لافت في دين قوامه تجريد التوحيد لله.. والكتاب يفيض بالنصوص التي تؤكّد على تعظيمه، صلّى الله عليه وسلم، وتبيّن خصائصه وشمائله، فضلاً عن سيرته، وسيرة صحابته معه.

وقد انقضى عصر الذين يمكنهم أن يعظّموا النبيّ وهو بين ظهرانيهم، ولكن الكتاب المتجاوز للزمان والمكان، والمتسامي على التاريخ، ظلّ يحمل الدعوات ذاتها لتوقيره وتعظيمه وبيان خصائصه وشمائله، صلّى عليه وسلم، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل انعكس في شعائر الإسلام الظاهرة، بل في أظهرها، وأشهرها، وأبينها، وأكثرها كثافة وفعلاً من المسلمين. فالشهادة له بالرسالة مقرونة بالشهادة لله بالوحدانية، وهما معًا ركن واحد، هو أوّل أركان الإسلام، ونطقهما شرط للدخول في الإسلام، وهي تُنطق في الأذان، أظهر شعارات الإسلام، وفي إقام الصلاة كذلك، وفي الصلاة؛ في التحيات؛ السلام عليه والشهادة له بالرسالة، ثم الصلاة عليه.

وهذا كلّه معروف، لكنّ الفكرة من تكرار ما هو معروف؛ هي التأكيد على أن الوحي لم يكتف منّا بالإيمان برسالته واتّباعه، بل بالإعلان العامّ، كلّ يوم، خمس مرّات، عن كونه رسول الله، والنطق الخاصّ بذلك في كل صلاة، وفي كل مكان، وفي كل زمان، إلى قيام الساعة، وهذا لا شك جزء من اتّباعه، أي مما شرّعه الوحي، ولكنّه -أيضًا- تأكيد من الوحي على مركزية شخصه المستمرة، وكان يمكن أن يكون النداء للصلاة، خاليًا من ذكره، وكذا الصلاة، ولكن الوحي أراد غير ذلك.

وهذا يعني أهميّة استمرار استحضار شخص النبي بين المسلمين ذكرًا وترميزًا. وشخصه من جهة مُضمّن في الموضوع، أو جزء أساسيّ من الموضوع، ومن جهة أخرى هو شعار للمسلمين، أي من ضرورات ترسيم هويّة المسلمين ولوازمها، فالرمز مما لا بدّ منه في هذه الحالة، كما هو الحال بعناصر الهويّة الأخرى، التي لم يُغفلها الإسلام، والتي ليس هذا مقام بحثها، بيد أنّها ليست هويّة عنصريّة، وإن كانت أمّة المسلمين لها طبيعتها ووظيفتها السياسيّة. وبسبب هذه الطبيعة والوظيفة لأمّة المسلمين، تزداد أهميّة الرمز، ولكن وبما أنّها ليست هويّة عنصريّة، فإنّ الرمز في حالتنا، هو شخص النبيّ، الذي أخذ مكانته هذه، من موقع النبوّة والرسالة، أي من موقع تلقي الوحي والنقل عن الله تعالى، وهي مكانة لا يمكن أن تساميها مكانة، فليس الترميز -مثلاً- لسبب عرقيّ، أو لخصوصية النسب أو الطبقة الاجتماعية وما شابه، لاسيما وأنّ الرسالة للعالمين، وبهذا تظلّ وظيفة النبيّ الجامعة، دون أي استشكال.

يتبين بهذا الفرق بين شخص النبي جزءًا من الموضوع، وشعارًا للمسلمين، وبين أيّ شخص آخر يُرفع لمكانة النبيّ، ويُجعل موضوعًا وشعارًا، ففي الحالة الثانية لا بدّ وأن تتحول هذه المحاولة إلى حالة انشقاقية في الأمّة، لأنها لا تملك لرموزها ما للنبيّ، وعليه ستعمل على اختلاق مضاهاة بقدر ما بين رموزها وبين النبيّ لتبرير الترميز الخاصّ وما ينبني عليه من افتراق. بكلمة أوضح، لا أحد من بعد النبيّ يمكنه أن يملك الأسباب الكاملة لجعله رمزًا مضافًا إلى النبيّ، أو مقرونًا بشهادة التوحيد، إذ لا نبيّ ولا معصوم غيره صلى الله عليه وسلم، وهذا يستدعي من أيّ حالة انشقاقية، بناء رموزها البشريّة الخاصّة؛ على اعتبارين.

الاعتبار الأول: صلة النسب والقرابة بالنبيّ، والثاني: ادعاء بعض خصائص النبيّ لرموزها، كالعصمة، أو بعض أشكال الوحي، بل يمكن أن تَطْمِس الرموز الجديدة الأصل الذي بُنيت شرعيتها على صلتها به، وبهذا تتطور هذه الحالة، إلى حالة انشقاقيّة لها جملة رموز خاصّة، تمنحها هوية مستقلّة بها، فيمكن أن نلحظ اختلافًا في شعار الأذان، وأعيادًا إضافية مُشخصنة، وشعائر تختصّ بها، ومؤسسات إضافية توازي مؤسسة المسجد، وسرديّة تاريخية تحظى بتأكيد عامّ مستمرّ بالغ الانفعال، وبعض ادعاءات عن كتاب مختلف.. وهكذا..

وهذه الفروقات الهوياتيّة توضّح الفرق بين الانتساب لمفهوم الأمّة الواحدة المتوازنة بين ذاتها والمُخاطب بدعوتها، أي الأمّة الواحدة الأقرب للتجريد والأبعد عن التعقيد وفوضى الترميز، وبالتالي الأقرب لعموم البشر، وبين الانتساب لطائفة خاصّة لها رموز خاصّة تلحّ عليها طوال الوقت. وإذن فلا قياس بين ما ابتدعته بعض الفرق الانشقاقية والتي غلت في رموز رفعتها إلى فوق مكانتها، وبين التأكيد على حضور شخص النبيّ، صلى الله عليه وسلم، في الأمّة، والتأكيد الدائم على رمزيته، وارتباط الأمّة بشخصه. يمكن أن نستشف بهذا أن عدم وجود عقب للنبي من أبناء ذكور، ليس لأجل تجريد الموضوع عن الأشخاص فحسب، ولكن -أيضًا- لنزع الحجيّة والشرعيّة عن أيّ فكرة انشقاقية في الأمّة، أو أيّ فكرة عنصريّة، كفكرة العرق أو النسب أو القرابة أو الطبقة، فقد حضرت هذه الفكرة بلا أبناء ذُكور، فكيف لو وجدوا؟!

وبما أن النبيّ جزء من الموضوع، فإنّ مما يساهم في توحيد الأمّة، كما يساهم في الحفاظ على هويتها، خاصّة في ظروف التحدّي الحضاري؛ قصر الرمزيّة الجامعة عليه، بتعظيمه وتوقيره ونفي خصائصه عن غيره، وعدم الانشغال في المفاضلة بين من هم دونه.

وقد تحوّل الاحتفاء بالنبيّ إلى طقس اجتماعيّ عميق لدى العديد من المجتمعات المسلمة، بمعنى وحتى في أشدّ حالات التردّي، ظلّت هذه الطقوس التي صارت من بنية السلوك المجتمعي، ما تبقى لبعض تلك المجتمعات ممّا يصلها بالإسلام، وهو ما يمكّن من العمل على استدعاء أصله، ولإرجاع الناس للجادّة، والمفيد، والحال هذه، أن هذا الطقس متصل بالنبيّ لا بغيره، فدعوة النّاس للجادة تظلّ أسهل، ممّا لو اتّصل بغيره.

والحقّ أن تعظيم الصحابة للنبيّ، صلى الله عليه وسلم، في حضوره كان بالغ الوضوح والجلاء، مما لا يعوزه الاستدعاء، وبما لا يسعه المقام، ثمّ إنّهم لم يكونوا بحاجة لسرد مدائحه على النحو القائم اليوم، فلم يكن قد تطاول بهم الزمان، وقد دهمتهم الحوادث العظام فور وفاته، ومعرفتهم به التي ظلّت باقية فيهم كانت كافية عن ذلك كلّه، فهم أعرف النّاس به وأقل النّاس حاجة للتعريف به، وهم المشروع الذي بناه النبي نفسه، وكان واجبهم المضيّ في المشروع بما يناسب حاجتهم وظرفهم ووقتهم.

وليست هذه مناقشة لمسألة الاحتفال بالمولد النبويّ، وليس في بيئتي طقس اجتماعي متعلق بالمولد، لا ولائم ولا زيارات ولا شيء من هذا القبيل، وأقصى ما شهدته محاضرات وندوات منظّمة من هيئات حكومية أو حزبية في ذكرى مولده، وبالكاد بعض المدائح الخالية من أيّ غلوّ في شخص النبيّ، وليس فيما شهدته اختلاط بين الرجال والنساء مما أجدهم ينكرونه في بعض البلاد. وإنما هذه وجهة نظر في بيان أهميّة استحضار شخص النبيّ وإظهار رمزيته وكونه شعارًا لنا، لأكثر من غرض، ووجهة نظر في بيان الفرق بين شخص النبي وغيره من الأشخاص في تاريخ الإسلام، وقد يخدم في هذا الإطار الاحتفاء المعتدل في ذكرى مولده، والخالي من المنكرات ومن الغلوّ فيه صلى الله عليه وسلم، وإلا لتحوّل إلى عكس المراد منه تمامًا.