وعد بلفور.. ثمن دخول أمريكا الحرب

الثلاثاء 14 نوفمبر 2017 08:31 م بتوقيت القدس المحتلة

حملت سنة 1916 الكوارث على الحلفاء في الحرب، إذ إنه إضافة إلى الهزائم التي لحقت بجيوشهم، نضبت مواردهم المالية، بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدوها نتيجة نشاط الغواصات الألمانية، وبالتالي إغراق عدد من السفن المحملة بالبضائع المستوردة من الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، عن طريق الشركة المالية "مورغان" التابعة لمجموعة روتشيلد. وفي هذا الجوِّ الملبّد بغيوم الهزيمة على الحلفاء، أصبح الأمل بالخروج من المأزق معلقاً على دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب، وبالتالي قلب موازين القوى. ولكن الأمل بذلك كان ضئيلاً، وخصوصاً أن الرئيس الأمريكي ولسن، كان لتوه قد كسب معركة الرئاسة الانتخابية على أساس إبقاء الولايات المتحدة الأمريكية خارج الحرب. 

وهنا لعب الصهاينة ورقة نفوذهم في أمريكا ببراعة ودهاء. وكان من أوائل من لفت نظر الإنجليز إلى أهمية التحالف الكامل مع الحركة الصهيونية من أجل دخول أمريكا الحرب إلى جانبهم رجل بريطاني من أصل أرمني اسمه جيمس مالكولم كان يعمل بالتعاون مع روسيا وبريطانيا ضد تركيا. أما السبب المباشر الذي دعا مالكوم إلى الاعتقاد بأن الصهيونيين قادرون على جر أمريكا للحرب إلى جانب الحلفاء فكان نفوذ القاضي لويس برانديز زعيم الحركة الصهيونية في أمريكا لدى رئيس الولايات المتحدة ودرو ولسن. 

وهكذا قامت صلة وثيقة بين المنظمة الصهيونية العالمية والمخابرات البريطانية فعقدت سلسلة اجتماعات بين الصهيونيين والمسؤولين البريطانيين "سايكس" في بيت وايزمان انتهت بالاتفاق على الاتصال سراً بالقاضي برانديز واخباره "بأن الحكومة البريطانية مستعدة لمساعدة اليهود في الحصول على فلسطين مقابل الدعم اليهودي النشيط لقضية الحلفاء في الولايات المتحدة بحيث يتغير الجو السياسي بشكل جذري لصالح الحلفاء".

يقول مكسيم رودنسون في كتابه "إسرائيل واقع استعماري" إن لويد جورج في اللجنة الملكية لشؤون فلسطين عام 1936 صرح بقوله: "إن الصهاينة قد وعدونا وعداً قاطعاً بأن الحلفاء إذا التزموا بمنحهم التسهيلات لإقامة وطن قومي يهودي لهم في فلسطين فسوف يبذلون جهدهم لتعبئة مشاعر اليهود وإمكاناتهم لدعم قضية الحلفاء في العالم كله... ولقد وفوا بوعدهم". وقبل دخول الولايات المتحدة الحرب وقبل التوقيع على المشروع النهائي لوعد بلفور كان الإنجليز يأملون أن يعبئ اليهود الجماهير الأمريكية لخلق مناخ ملائم لمساهمة أمريكا في الحرب في فترة كان الحلفاء فيها يعانون الخسائر الفادحة.

في هذا الصدد يقول شلومو أفينري، في مقالته في جريدة هآرتس، أن الهدف الأساسي لـ"وعد بلفور" من ناحية بريطانيا كان تقليص معارضة اليهود في أمريكا لشن الحرب. ومن بين الأسباب التي صيغ بها التصريح برسالة إلى اللورد روتشيلد، كان اعتبار أن علاقات عائلة روتشيلد مع رجال رأس المال اليهود في نيويورك ستساعد في هذه المهمة.

على أي حال، إن جزءاً كبيراً من العمل الذي تم في الولايات المتحدة، للموافقة على "وعد بلفور"، يرجع إلى ما قام به المستر لويس برانديز، الذي أصبح آنذاك أوسع الصهاينة نفوذاً في ذلك البلد وأخطرهم شأناً. لقد كان محامياً مشهوداً له بالكفاءة، وعين في عام 1916 عضواً في المحكمة العليا في الولايات المتحدة. وقد أكد الرئيس نفسه وجود علاقات وثيقة بينه وبين برانديز. والواقع هو أن برانديز كان يأتي في المرتبة الثانية بعد الكولونيل هاوس في ذلك المستوى المزدوج الذي يتألف من الصداقة مع رئيس الدولة ومن النفوذ.

صرح ولسن عشية صدور وعد بلفور بقوله: "لن تصبح فلسطين مؤهلة للديمقراطية إلا إذا امتلك اليهود فلسطين كما سوف يمتلك العرب شبة جزيرتهم أو البولونيون، بولونية"

يستنتج المؤرخ الأمريكي اليهودي سيليج أدلر، من دراسة لأوراق ولسن -الرئيس الأمريكي- والسجلات العامة لوزارة الخارجية، أن ولسن رضخ أخيراً لضغوط اليهود الصهيونيين الأمريكيين وبخاصة صديقه وزميله القاضي لويس برانديز. ويعتقد أدلر أن الكولونيل هاوس، مستشار الرئيس، كان معادياً للسامية مما دفعه لمعارضة الصهيونية، مع أن المؤرخ البريطاني اليهودي ليونارد شتاين يفند هذا الرأي، ويري أن الكولونيل هاوس كان وراء موقف ولسن المؤيد للصهيونية وموافقته النهائية على "وعد بلفور".

كانت سنة 1917 حافلة بالنشاط المتواصل، فقد زار اللورد آرثر جيمس بلفور (Arthur J. Balfour) وزير الخارجية البريطاني الولايات المتحدة الأمريكية. يقول جفريز، في كتابه "فلسطين إليكم الحقيقة": لقد وجد بلفور هو وأعضاء بعثته الادارة الأمريكية كلها مشبعة بالأفكار الصهيونية تشبعاً شديداً، ويعود هذا في الدرجة الأولى إلى المسيو برانديز. انسجم بلفور وبعثته مع تلك الإدارة المتصهينة، وقد لخص بلفور، حين كان في واشنطن موقفه الخاص في جملة واحدة، "أنا صهيوني". 

وبعد عودة بلفور من زيارته للولايات المتحدة، أجرى مقابلته الرسمية مع د. وايزمان واللورد روتشليد. وبدأت عملية صياغة "الوعد"، وتعددت المسودات المرسلة من مكتب الخارجية البريطانية والمرسلة إليها. "وقد دبج عدد كبير من هذه المسودات في لندن وأرسل به عن طريق وسائل مكتب الحرب الخاصة إلى الولايات المتحدة لكي تستعين بها اللجنة السياسية الصهيونية الأمريكية". وقد ساهم الرئيس ولسن نفسه في هذه الصياغة أو أنه قد قام -على الأقل- بإيلاء الصور التي جاءت من إنجلترا عينا مدققة ومراجعة ممحصة. "وبناء عليه اتسع ميدان المناقشة الدولية فقدمت جميع المسودات التي صيغت لهذا التصريح المقترح للبيت الأبيض للموافقة عليها". 

يقول جفريز: إن المسودة النهائية قد جرى تعديلها، بيدي السيدين وايز ودي هاعاس، بعد التشاور مع القاضي برانديز قدمت إلى الكولونيل هاوس الذي نقل هذه الصورة إلى الرئيس ولسن. فأصدرت الوزارة الحربية البريطانية هذا النص النهائي بناء على موافقته وعلى طلب صريح منه.

وفي 13 (تشرين أول/ أكتوبر) 1917، أرسل ولسن المذكرة التالية للكولونيل هاوس "أجد في جيبي مذكرتك عن الحركة الصهيونية، ولعلى لم أخبرك أنني موافق على الصيغة التي اقترحها الجانب الآخر. أكون ممتناً لو أنك أخبرتهم بذلك". صرح ولسن عشية صدور وعد بلفور بقوله: "لن تصبح فلسطين مؤهلة للديمقراطية إلا إذا امتلك اليهود فلسطين كما سوف يمتلك العرب شبة جزيرتهم أو البولونيون، بولونية".

وفي 31 (أب/ أغسطس) 1918، بمناسبة العام العبري الجديد، بعث الرئيس ولسن، الرسالة التالية إلى زعيم الصهيونية الأمريكية، الحاخام ستيفن وايز، مصادقاً بشكل رسمي على "وعد بلفور": "راقبت باهتمام مخلص وعميق العمل البناء الذي قامت به لجنة وايزمان في فلسطين بناء على طلب الحكومة البريطانية، وأغتنم الفرصة لأعبر عن الارتياح الذي أحسست به نتيجة تقدم الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة، والدول الحليفة منذ إعلان السيد بلفور باسم حكومته عن موافقتها على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ووعده بأن تبذل الحكومة البريطانية قصارى جهدها لتسهيل تحقيق ذلك الهدف مع الحرص على عدم القيام بأي عمل يلحق الأذى بالحقوق المدنية والدينية لغير اليهود في فلسطين، أو حقوق اليهود ووضعهم السياسي في دول أخرى".

ويروي وايزمان على لسان ولسون قوله: "إنني مقتنع بأن الأمم الحليفة، بالتعاون التام مع حكومتنا وشعبنا، قد اتفقت على أنه ستقام في فلسطين أسس الدولة اليهودية".

وبداية عام 1919، وقبل عقد مؤتمر باريس للسلام، كتب ولسن نفسه لفيلكس فرانكفيرتر عندما تساءل زعماء الصهيونية عن مدى تعاون الولايات المتحدة: "لم أحلم قط بأن من الضروري أن أقدم لكم تأكيدات جديدة عن التزامي بوعد بلفور، ولم أجد حتى الآن من يعارض بشكل جدي الهدف الذي يجسده.. لا أرى ما يدعو للشعور بالإحباط، بل أرى كل مبرر للأمل بالحصول على ضمانات مرضية". وفي 20/9/1922 صادقت الحكومة الأمريكية بصورة نهائية على وعد بلفور.

ونختم مقالنا، بما كتبه ناحوم سوكولوف، في كتابه "تاريخ الصهيونية"، أن "كل فكرة ولدت في لندن اختبرت في أمريكا من قبل المنظمة الصهيونية. وكل اقتراح صدر من أمريكا لقى أشد العناية والاهتمام في لندن".