أبو تريكة.. القلوب مملكة وأنت أميرها

الإثنين 13 نوفمبر 2017 06:00 م بتوقيت القدس المحتلة

أبو تريكة.. القلوب مملكة وأنت أميرها

بقلم الكاتب والمدون المصري: أسامة الصياد

"إننا أحيانًا نفعل ما قد ظنناه مستحيلًا، ونفعله بكل بساطة ومن حيث لا ندري"

حتمًا تنطبق هذه الجملة وهذا الوصف المنسوب للمؤلف والأديب المصري محمد عبد الحليم عبد الله على ما فعله ويفعله محمد أبو تريكة، هذه البساطة التي صنعت ما قد ظنه البعض مستحيلًا حتى هو، ولا أتحدث هنا بصدد كروي فني، فهذا الفنان حجز لنفسه بكل تلقائية وبساطة مقعدًا مع العظماء في هذه اللعبة فلا أناقش الأسباب، إلا إن ما يعنيني هنا أنه كان فعلًا بسيطًا وتلقائيًا للاعب الترسانة وابن قرية ناهيا الذي يفعل المستحيل "ببساطة".

هذا الجانب الكروي كثر الحديث عنه منذ أن عرفنا أمير القلوب محمد أبو تريكة، ولست أول من يكتب في شأن هذا المحبوب الجماهيري، وربما لن أكون الأفضل في هذا، ولكن لا يستطيع أحد أن يستأثر بالكتابة عن هذه الثروة البسيطة وحده، فدعونا نحاول محاولة ضعيفة لتدوين سحر ما تفعله بساطة وتلقائية هذا الرجل.

من كان يسب أبو تريكة ويستغل اسمه لحجز حظوة عند الأسياد عبر شاشات التلفاز، كتب مهنئًا في عيد ميلاد "الأسطورة"، إنه استغلال أيضًا لاسم أبو تريكة ولبساطته، لمعرفتهم بأصالته

الجانب الإنساني لأبو تريكة في رأيي هو ما بقي وسيبقى رغم تراثه الكروي الهائل، هذا الجانب غير المعقد الذي يمكن أن تغوص فيه إلى ما لا نهاية دون أن تجد فيه أشياء غريبة أو ملفتة لنظرك، فهو عبارة عن ابتسامة أصلية غير متكلفة، وربما غضب مصري أصيل تُحب أن تراه "رغم كونه قليلًا في مسيرته"، هو ذلك الخجل وحمرة الوجه الناتج عن الإطراء الزائد من الإعلام وزملائه، هي تلك التصريحات التلقائية غير المتكلفة، هي تلك الحكايات الصافية عن نشأته ومسيرته التي سمعناها مرارًا، ونحب أن نسمعها مجددًا كلما رويت.

هذه الأفعال البسيطة هي أبو تريكة الذي لم يعش على جمهوره دور النجم مطلقًا -رغم كونه كذلك-، الأفعال التي حصدت كل هذا الحب يا للعجب كانت غير مرتبة و"محفلطة" على أيدي شركات علاقات عامة أو وكلاء اللاعبين، الإشارات والمواقف كانت من القلب إلى القلوب مباشرة بتلقائية جعلتنا نصدقها ونؤمن بها، بينما يراها الرجل شيء طبيعي لا يستحق كل هذا.

مر عيد ميلاد محمد أبو تريكة ابن الـ 39 عامًا، وما شاهدته من احتفاء ومسارعة لتهنئته من شتى الأطراف الكروية وغير الكروية "بحب وبخبث"، هو في الحقيقة الأمر الذي دفعني لكتابة هذه التدوينة عن أبو تريكة. هذه التهاني والمباركات التي جاءت من الخصوم قبل الأحباب. وقبلها الحالة العجيبة من الالتفاف والمؤازرة الجماهيرية لشخص يُطارده النظام الذي يحكم بلده بلا أسباب واضحة، حالة لم أرها من قبل مع من سواه.

هذا الحب المشبع بالعجز من الجماهير التي رأت هذا الرجل يُهان من أحط الكائنات الإعلامية التي ظهرت على وجه المجرة، لأنهم لم يستطيعوا أن يدافعوا عنه ويأخذوا له قسطًا من حقه المهدر بفعل نظام غادر، سوى ببعض العبارات على مواقع التواصل الاجتماعي.

حجم هذا الود والحب يُغبط عليه تريكة حقًا، وأي حب هذا الذي يُجمع عليه هذا الكم من البشر للاعب كرة معتزل، محاولة تفسير هذا لن تخرج عن إطار بساطة وتلقائية هذا الرجل

من كان يسب أبو تريكة ويستغل اسمه لحجز حظوة عند الأسياد عبر شاشات التلفاز، كتب مهنئًا في عيد ميلاد "الأسطورة"، إنه استغلال أيضًا لاسم أبو تريكة ولبساطته، لمعرفتهم بأصالته التي لن تجعله يُقلب في دفاترهم القديمة ليصفي الحسابات معهم، إنها معادلة رابحة دائمًا مع تريكة، سواء هاجمته أو هنئته، الرجل لا يرد سوى بأخلاقه.

حجم هذا الود والحب يُغبط عليه تريكة حقًا، وأي حب هذا الذي يُجمع عليه هذا الكم من البشر للاعب كرة معتزل، محاولة تفسير هذا لن تخرج عن إطار بساطة وتلقائية هذا الرجل، حتى في انحيازاته التي اختلف البعض معها، كان غير معقدًا، وقال ما اقتنع به، في الوقت الذي يُفضل زملائه المداهنة واختيار الصمت وأسهل الطرق للأمان.

إننا أمام مملكة من الحب الصادق حقًا، صنعت بتلقائية شديدة وبعفوية منقطعة النظير، لرجل منا حقًا وليس ادعاءً، نفرح لفرحه، ونحزن لحزنه، ويواسينا ونواسيه، إنها مملكة من القلوب وأميرها هو محمد أبو تريكة.