هل اختلف تكتيك حماس بتّغير قيادتها؟

الأحد 12 نوفمبر 2017 11:18 ص بتوقيت القدس المحتلة

على مدارِ فترة طويلة من الزمن لم يكن يجد فلسطيني من قطاع غزة الجرأة لأن يحمل صورةً لأحد قادة حركة “حماس”، وإن فعل، فكان يقع على كاهله الجهد الكبير في محاولة الرد على الهجمات التي سيتعرض لها من أطرافٍ مختلفة، وإثبات عكس الادعاء بأن هذه الحركة “جلبت الحصار والتضييق على الشعب ولم تقدم للمواطن ما وعدت به في برنامجها الانتخابي”، لكن الأمر بات مختلفاً إلى حدٍ كبير هذه الأيام، فمن الطبيعي أن يجد أحدنا خلال أي لقاء أو تجمع فتاة تحمل لافتة كتبت عليها “بنحبك يا سنوار”.

ما الذي تغير إذاً؟ وهل لنتائج الانتخابات التي أفرزت قيادة جديدة لحركة “حماس” في العام 2017م سبباً يكمن وراء ذلك؟ أم أن تكتيكات جديدة استخدمتها القيادة الجديدة للحركة جعلت منها محبوبة من قبل قطاعات واسعة من الجماهير بعد سنواتٍ من القطيعة؟.

المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، تدفع الإنسان لمحاولة التفكير، بل والتفكير لأكثر من مرة قبل إطلاق الأحكام، أو توقع الحدث التالي، فتلك المتغيرات والأحداث متسارعة، والكثير منها يبتعد كثيرا عن إمكانية توقعه مسبقاً، تماماً كما حدث مع الحركة الأكثر انتشارا في الساحة الفلسطينية “حماس” مؤخرا، فالانتقال من مربع مهاجمتها إلى مستطيل الدفاع عنها أو التوقف عن مهاجمتها لم يتوقعه أو توقيته أي سياسي أو محلل.

إن دراسة “حماس” للمتغيرات الدولية والإقليمية “ويبدو أن الأمر قد جرى بناء على معلومات وملفات كبيرة على طاولة صناع القرار في الحركة”، دفعها لضرورة التفكير بحركة خاطفة وسريعة لتجنيب الشعب الفلسطيني وأبناء الحركة ضربة قوية، قد تهدم كثيراً مما شيدته الحركة على مدار عقودٍ من الزمن، فقررت التراجع خطوة إلى الوراء، وبشكل مفاجئ قررت ترك الدوائر الحكومية التي عاشت في أروقتها لأحد عشر عاماً خاصةً مع تيقنها بكثرة الخصوم وتراجع الحُلفاء، قررت تسليمها لحركة “فتح” وهي خطوة شكلت مفاجأة من العيار الثقيل لمختلف الأطراف، بل كانت المفاجأة أشد للدرجة التي ذهبت إليها الحركة بتسليم تلك الدوائر، رغم استفزازات كبير تلقتها من قبل أبناء حركة “فتح” الذين تسلموا الوزارات والمعابر حتى الآن.

صحيحٌ بأن الخطوات المتتابعة التي تقوم بها قيادة الحركة وبخاصة على صعيد داخل قطاع غزة بقيادة “يحيى السنوار” وعلى صعيد الخارج بقيادة “صالح العاروري”، دفعت الكثيرين للتصريح وإعلان ذلك بأن “حماس” قدمت خطوات سيكتبها التاريخ بأحرف من نور، في سبيل عملها على الخروج من مربع الانقسام والاتجاه صوب الوحدة الفلسطينية.

بالمختصر، عامة الناس تسيطر عليهم السعادة بخطوات قيادة “حماس”، باستثناء الصف التنظيمي للحركة الذي يتضح بأنه لا يعلم شيئاً مما يجري هذه الأيام، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مهما: هل قررت الحركة أن يكون خطابها في الوقت الراهن يستهدف الداخل الفلسطيني والأطراف الدولية المختلفة، بينما تؤجل الحديث لأبناء الحركة لوقتٍ آخر، وتمارس تكتيكاً سياسياً هذه الأيام يُحيطُ به حجب المعلومة عن أبناء الصف التنظيمي للحركة؟. ذاك توقعٌ يبقى في هذا الإطار حتى تمضي الأيام وتكشف ما بين جنباتها، ننتظر لنرى إذاً.

لكن وإن كانت حركة “حماس” قررت في عهد قيادتها الجديدة الانتقال من خانة رد الفعل، إلى مربع “صناعة الفعل” وانتظار ردود الأفعال عليه، فيمكن حصر ما حققته خلال فترة قصيرة جدا في التالي:

- انتقلت “حماس” من مربع رد الاتهامات والهجمات الإعلامية التي تتعرض لها من قبل خصومها، إلى مربع الذي يطلب رأيه مختلف الأطراف، وتحولت من مجرد “شاخص” لرصاص الآخرين، إلى متابع لتلك الهجمات التي باتت حركة “فتح” شاخصاً لها، وانتقلت حركة “فتح” التي تفاجأت من قرار “حماس” بتسليم وزارات ومؤسسات قطاع غزة، انتقلت إلى مربع رد الفعل أمام هجمات القادة والمسئولين والمحللين ومختلف الأطراف، حيث يطالبونها باستمرار للقيام بما عليها تجاه إنجاز المصالحة، أسوةً بما قامت به حركة “حماس”. طبعا كل ذلك يجري بينما تكتفي قيادة “حماس” بمتابعة المشهد ودراسة الورقة المقبلة التي ستلقيها في وقتها المناسب.

- جاءت ورقة صالح العاروري تكتيك آخر قامت به الحركة، ففي الوقت الذي رفضت أكثر من عاصمة عربية وإسلامية استقباله، تحركت الحركة صوب حزب الله وإيران لتجعل مقر إقامة هذا الرجل الذي تخشاه “إسرائيل” جيدا، وفي أقرب بقعةٍ من أراضي فلسطين، بما يحمله مكان القرب من فلسطين بأهمية بالغة في الحركة التالية على ساحة الضفة الغربية.

- ليس مقر الإقامة فقط الذي لعبت على وتره “حماس”، بل أتبعه جمهور ناخبيها باختياره نائباً لرئيس مكتبها السياسي، لتؤكد بهذه الورقة أن من تتهمه “إسرائيل” بقتل والتخطيط لقتل العديد من جنودها، جاء في مكان متقدم على سلم “حماس” القيادي وبإرادة أبناء التنظيم الواحد، الذين اختاروا “العاروري” دون منازع.

- تكتيك “حماس” وخطواتها المتوازنة، جعل “القاهرة” تقبل استقبال “العاروري” ليس ضمن وفد الحركة لحوارات المصالحة الفلسطينية، وإنما كأعلى شخصية في الوفد، وهذا له اعتباره في العمل السياسي، فالرجل الذي كان مطروداً بتوصية من قبل العديد من أجهزة المخابرات العربية، يتم استقباله في القاهرة وبرعاية جهاز المخابرات المصرية.

- لقد أعاد اختيار “العاروري” ابن الضفة الغربية على رأس وفد الحوار الوطني لحركة “حماس” الاعتبار للضفة التي اختفى حضورها إلى حدٍ ما من مشهد العمل السياسي، وكانت الساحة خالية فقط “لحركة فتح” التي أساءت للقضية الفلسطينية بالتنسيق والتعاون الأمني والإصرار على التسوية السلمية مع الاحتلال الصهيوني، وإخماد جذوة مقاومة المحتل.

الواضح ورغم الغموض في تفاصيل المصالحة الفلسطينية وملخص بنودها، أن حركة “حماس” غيّرت خلال الشهور الماضية أسلوب عملها السياسي للتعاطي مع المتغيرات المحلية والإقليمية المختلفة، فهل أخطأت أو أصابت في ذلك؟. يبقى ذلك سؤالٌ مشروع في ظل ضبابية المشهد وغياب المعلومة الدقيقة، والفيصل الأساسي في معرفة المستقبل هو عاملُ الوقت ومتغيرات الزمن.