أدوات التقسيم

السبت 11 نوفمبر 2017 04:44 م بتوقيت القدس المحتلة

لا أدري إن كان بمحض الصدفة، أم هو تنبؤ عميقٌ لما سيجري فأراد "المستوردُ" أن يزرع صورة الوطن الكامل في ذاكرة الأجيال الناشئة..

عن "علبة الهندسة" أتحدّث، أتذكرونها؟ تلك العلبة المعدنية المستطيلة الزرقاء المرسوم عليها خارطة الوطن العربي بعناية، والرايات العربية تزيّن المستطيل كله بتجاور وتلاصق كأنها راية واحدة، كان العراق في تلك الرسمة موحّداً، وفلسطين حاضرة، والسودان دولة مهيبة، ومصر أم العروبة، وتونس عامرة، واليمن كذلك، سوريا ملوّنة باللون الأصفر، والأردن بالأخضر، وكان على الخارطة الجغرافية أيضاَ منابع الأنهار العربية ومصباتها مخطوطة بتعرجات زرقاء دقيقة وأسماء العواصم مكتوبة بخط صغير للغاية، لا أدري إن كان بمحض الصدفة أم هو تنبؤ عميق لما سيجري أن تخبّئ الجغرافيا أدوات التقسيم الهندسي الحادة طوال هذا الوقت في جوفها، تماماً كمن نُقشت رسالة موته على ظهره دون أن يدري.

في علبة الهندسة القديمة التي تحمل خارطة الوطن العربي، كانت الأدوات كلها نائمة في توابيتها، الفرجار يضم ساقه المعدنية الأُبريّة إلى القلم الخشبي الحكيم، البيكار يلتزم الصمت، المسطرة تحفظ حدودها، المنقلة تأخذ شكل القبّة في تظاهر للورع، المثلث يفتح جوفه للرسامين، والممحاة عند الطلب، تُطفئ الخطأ بجسدها حتى الموت.. في تلك العلبة القديمة عليك إن تفتحها بعناية حتى تبقي الأدوات مستكينة في أسرّتها البلاستيكية.. أما إذا فتحتها بالمقلوب، اندلقت وتبعثرت!

 إذا تأمّلت الوطن العربي هذه الأيام، تعرف أن "الهندسة" ثارت على الجغرافيا وأن أدوات التقسيم قد انفلتت من قيودها وبدأت تركض بأرجلها المعدنية نحو الخارطة الطرية.. أنظمة تدّعي أنها من جوف "العلبة" أو من جوف الأمة لا فرق تنفّذ المرسوم لها على الورق، فمن هذه الأنظمة:

الفرجار: على طريقة القراصنة أصحاب الأرجل الخشبية، بدأ يلف حول نفسه يصنع دوائر من رصاص معتقداً أنه السيد والحاكم والراسم، لا ينقل رجلاً إلا ويرسم دائرة حول نفسه ليقطعها المحرّك والرسّام، مسكين موهوم بأنه "الملك الفرجار"، لكنه لو رفع رأسه قليلاً قليلاً لرأى إصبعي صاحب القرار.

ومنها البيكار: هذا يقص ويقتص، لا تخطيط لديه، إنه أداة التنفيذ الجارحة، عليك أن تُحكم الإمساك برأسه كي لا يؤذيك فأطرافه مؤذية لكن عمره قصير، بعد أن ينهي مهمّة الاقتصاص يأتيه القصاص.

ومنها المسطرة: تمشي وفق أجندة محددة، تخدم الرسام وفق تسلسل زمني، معروف آخر رقم في عمرها، ومعروف كذلك بدء عمالتها، تنبطح كيفما شئت لتبدو مستقيمة، لكنها في الواقع رأس الاعوجاج.

ومنها المنقلة: تدعي الوقار فلها شكل قبب دور العبادة، لكنها تقوم بنفس دور المسطرة، تدلّ "الرسام والقسّام" أين تبدأ الزاوية الحادة في عمله وأين تنفرج، ثم تعطيه أبعاد الدرجة، المنقلة عميلةٌ صامتة لا يهُمّها ماذا تبقّى من الأوطان ليقسّم، لكن يهُمّها أن تبقى مُستعملة!

ومنها المثلث: قليل الاستعمال أو قليل الاستعمار لا فرق، يحدد الزوايا القائمة، ويقيس درجة الانحناء يسمح لقلم التقسيم أن يمر فوق أجوائه وفوق عنقه ولا يعارض، المهم ألا يقسّم هو، المثلث واحد من أدوات السيد، مثله مثل الفرجار والبيكار والمسطرة والمنقلة كلها شريكة في الخيانة لكنها تتفاوت بالتوغل والتبرّع والدرجة.

الممحاة: تلهث وراء أصابع الرسّام، أينما أخطأ تمسح بجسدها خطأه لتبيّض صورته وأن اتّسخ اسمها وجسمها، هو يوهمها أنها إذا ما أكلت خطوط الرصاص سمُنت، لكنها لا تدري أنها كلما ابتلعت الخطأ نحلت وتلاشت.. لا يهمها إن تضاءل كيانها، المهم أن تبقى أداة السيد في تصحيح أخطائه حتى لو كُفّنت بالخطايا.

لا تتوهموا كثيراً على حدة الحضور أو صلابة القوام، أو وجع الوخز الذي تحدثه أدوات التقسيم فوق الخريطة، فقط انظروا إلى من يحرّك رؤوسها.