هل تنهار أوطاننا؟

الخميس 09 نوفمبر 2017 10:02 ص بتوقيت القدس المحتلة

هل تنهار أوطاننا؟

ميادة عبده

هل هذه المرحلة التي وصلت إليها المنطقة هي مرحلة اللا عودة؟ هل سبق السيف العذل، أم أنه ما زال في العمر بقية؟ بالنسبة لكثيرين -وأخشى أنني منهم- فقد اختارت منطقتنا "الانتحار"، وكأي عارف بالأبعاد النفسية للمنتحر والعوامل المحيطة به فهناك دائما حالة ضعف بصورة من صوره كما هناك عوامل محفزة.

 وفي منطقتنا يبدو أنه من السهل جدا الوقوف على مواطن الضعف التي تعاني منها، فالمفارقة أنها منطقة تعتز بوهنها! كيف ذلك؟ ببساطة مثلا لأننا شعوب لا تخجل أن تستنشق غبار التاريخ، لتنفثه خيلاء واهمة تتبختر على أطلال "كان ياما كان"، دون اكتراث بما يجب أن يكون. كما أننا لا نخجل من طائفيتنا، ولا قبليّتنا، ولا مناطقيّتنا، ولاحتى عنصريّتنا، بل نتبارى في التفاخر أيُّنا حصد بسهامها طرائد أكثر!

لا نرى ضيرا في التكتل المتشرذم كما أسميه (أي ذلك التحزب ضمن مجموعة صغيرة ضيقة تقابلها مثيلات لها وكل منها على الضد من الأخرى)، ولا في المحاصصة واقتسام السلطات، فنحن تلك الشعوب التي تستشرس وتدفع الغالي والنفيس -بدءا بالإنسان في داخلنا- للحفاظ على النفوذ بأشكاله المادية، حتى ينتهي بِنَا الأمر بفقد أنفسنا. كما لا نتوانى عن إسقاط الأحكام المُقصية والمجرّمة، فالاختلاف في نظرنا ذنب لا يغفر لمارق لن يرحم.

 في منطقتنا رِبا المبادئ في ناموس المصالح تجارة حلال، فقد صار الكثير يستغل القيم شعارات يظفر من خلالها بالمناصب، ويستغل المناصب ليحظى بالمال، ويستبدل القيم نفاقا ومكائد تقربه من عتبات أصحاب السلطات. في منطقتنا ستجد من يفاخر بكل ما هو مزيّف معتمدا سلاطة الكذب ليصنع الوهم فيعيشه هو ويعيّشه من حوله. في منتطقتنا للون الدم جاذبية تسلب الألباب رحمتها، وما أكثر المأسورين بمشاهد القتل والدمار والإجرام، المتعففين من شعور الإنسانية. هذه بعض مظاهر ضعفنا الداخلي المختال دون حياء!

أما العوامل المحفزة من الخارج فيمكن اختصارها بسياسة العصا والجزرة، التي تستخدمها القوى الخارجية الإقليمية منها أو الدولية الطامعة، والتي تسمح لها بتحريك البيادق كما تشاء، وصناعة الأحداث، وتغيير مجريات الأمور بناء على وعود لا تقل وقاحة من وعد "مَن لا يملك لِمَن لا يستحق" فكم من "بلفور" على مَر السنوات تغوّل بقوته العظمى على سيادة دول في المنطقة، واقتادها إما بوهم مكانة مقربة وحماية مطلقة، أو بوصاية مذلة ليضرب بعضها ببعض، ويدمرها بيد أبنائها، وليقتات على أوطانها ويستنزفها دون أدنى مقاومة، بعد أن جرّدها سُبل المقاومة.

أليست الأوطان قوامها شباب واعٍ متّقد العزيمة لا شباب يائس أو غارق في ملهيات لا حصر لها، ووقودها خيرات ينعم بها أصحابها لا تُنتزع من أفواههم ليُتقرّب بها زلفى من مثخَنين متجبرين، وعزها قادة يستأسدون ذودا عن ترابها لا قادة ينبطحون ممرغِين كراماتها في الوحل، وعمادها مؤسسات تنهض بمكتسباتها لا بؤر للفساد والتربّح والتسيّب، ومستقبلها أطفال يكبرون ترعاهم كل الأيادي الحانية لا أطفال تتخطفهم مخالب وحوش الحروب والفساد والجهل! هكذا أوطان.. كيف يمكن أن تقاوم، وبماذا ستقاوم لتصنع التغير الحقيقي؟

 "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" على كل نشرات العالم تتصدر منطقتنا لا بنجاحاتها بل بسقطاتها، لا بانتصاراتها بل بهزائمها، بصور أشلائها بين أنياب أبنائها، بقصص حروب يمناها على يسراها، بجحافلها تتمترس نحو الحِمى فهي أولى بنيرانها! كقطعة من جهنم مهتاجة هذه الأوطان.. فهل ما زال في هذا الجسد الفائر أثر من روح يتمسك بها، أم أن هذا الهيجان ليس إلا مرحلة تحلل ما مات وشبع موتا؟!