قبل مُطالبةِ بريطانيا بالاعتذار

الأحد 05 نوفمبر 2017 10:45 ص بتوقيت القدس المحتلة

مائة عامٍ مضت على وعد بلفور أو تصريحه، وهو الاسم الذي أطلقناه منذ تلك الأعوام المائة على ذلك "الوعد"، وقد جاء من خلال رسالة أرسلها وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، يؤكد فيها على تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. هو "وعدٌ" أطلقه من لا يملك الحق إلى جهةٍ ليس من حقها سلب أرضنا نحن الفلسطينيين التي سكنا فيها، وزرعنا أرضها، وعمّرناها بعد أن ورثناها عن آبائنا والأجداد.

تمضي السنوات، ويجد الوعد خارطة طريق له رسمت معالمه القذرة على تُراب بلادنا الحبيبة بأدواتٍ مختلفة، أولها حكومة الانتداب البريطاني التي لم تكتفِ بـ" الوعد"، وإنما اغتصبت أرضنا وطردت آبائنا منها، وسلمت ديارنا لليهود، بعد أن سلمتهم السلاح والعتاد للإجهاز على من تبقى منا ممسكاً بغصنٍ من شجرةِ زيتون، أو مستظلاً تحت فيئ "توتة الدار" التي ألهبت حنجرة "أبو عرب" فأنطقتها " بالميجانا والعتابا".

وفي الأعوام الأخيرة، وبعدما أدركنا نتائج "الوعدُ الظالم" على شعبنا وقضيتنا، بدأت العديد من المؤسسات فلسطينية وعربية أو إنسانية على مستوى العالم، تشكل تكتلاتٍ وتجمعات مختلفة، وتُصدرُ البيانات التي تُطالب بريطانيا "التي وعدت ومهدت السبيل لليهود نحو اغتصاب فلسطين"، لمطالبتها بالاعتذار، غير أن الوقاحة السياسية التي ارتكبتها بريطانيا في العام 1917م، وفي مشهدٍ يُخالفُ كافة الأعراف السياسية، دفعت رئيسة حكومتها تيريزا ماي في العام الجاري 2017م للإعلان عن رفضها طلب الحملة الفلسطينية الداعي لـ" اعتذار المملكة المتحدة عن وعد بلفور".

وأصدرت كذلك بلدية لندن قراراً بمنع حملة لفلسطينيين وأنصارهم تصف وعد بلفور بأنه كان نذير كارثة للفلسطينيين، بل إن البلدية ادّعت أن تلك الحملة معادية لـ" إسرائيل".

ما من شكٍ فإن هذه القرارات وتلك التصرفات تفاجأ منها البعض، فلسطينياً كان أو غيره، لكن يجب الاعتراف على صعيدنا الفلسطيني أننا لا يمكن أن نُقنع أحد بالاعتذار لنا عن جريمةٍ اقترفها بحقنا قبل مائة عام؛ ليس لأننا لا نستحق ذلك، بل لأننا مارسنا ولا نزال جرائم تعزز من غرس هذا المُحتل أنيابه في تراب بلادنا. فهل مع تلك الجرائم التي نُمارسها سنُقنع الآخرين بالدفاع عن قضيتنا ونحن لا نفعل ذلك.

- صحيحٌ، أن بريطانيا أصدرت الوعد، لكن الكثير من العرب بزعاماتهم المختلفة وسلطتنا الوطنية اعترفوا بالكيان الصهيوني وأحقيته على أرض بلادنا وسرقة بيوتنا، فكيف تقتنع بريطانيا بمطالباتنا بينما إخواننا في القومية والدين يفعلون عكس ما نقول؟.

- وفي الوقت الذي نُطالب بالاعتذار عن القرار، وإزالة ما ترتب عليه، يُعلن رئيس سلطتنا وقائد كياننا تخليه عن حق العودة، ويُجاهر صراحةً بعدم جدوى عودتنا لديارنا. وهذا ما يعني أن مجرد طلبنا بريطانيا بالاعتذار بينما أفعالنا تعزز سيطرة الاحتلال على بلادنا لا يعني سوى ممارستنا للكذب والخداع على العالم، فهل يحترم العالم جهةً مخادعة؟.

- نتحدث باستمرار أن وعد بلفور جريمة "وهذا كلامٌ لا غبار عليه"، لكن كيف يقتنع من أصدر الوعد بأن من نتيجته وجود هذا الكيان المحتل على أرضنا، ونحن في الجانب الآخر نلتقي بهذا العدو على أعلى المستويات، نتبادل المعلومات التي يستخدمها عدونا في قتل مقاومينا ومطاردتهم، وهم الذين حملوا هم القضية، وقبلوا العيش بين الأزقة وفوق الجبال، ليبحثوا عن معالم عزتنا وكرامتنا بينما قيادتنا تطعنهم في الظهر.

- وعد بلفور نتشدق به كلما أتانا نوفمبر من كل عام، لكن صراحةً نسأل: هل علمّنا الجيل أن هذا الوعد جريمة؟ هل منهاجنا التعليمي خصص فصولاً فيه للحديث عن الجريمة "ليس عنوانها فقط"، إنما تفاصيلها وتداعياتها والنتائج التي ترتبت عليها.

- في مكاتب السفارات الفلسطينية التي تنتشر بالعشرات على مستوى العالم، نمتلك القناصل والسفراء والملاحق الدبلوماسية والثقافية وغيرها، نقتطع من قوت شعبنا وفقراء شعبنا لتمويل عملها، لكن السؤال الأهم: أين هو دور السفراء والقناصل والبعثات من هذه الجريمة وغيرها؟ ماذا فعلوا وماذا قدموا لنا كشعب وقضية؟.

- لا يكفي ألا تعتذر بريطانيا عن تلك الجريمة، فهي ترى القيادة الفلسطينية التي "تمثل الشعب الفلسطيني" تصمُّ آذاننا في كل محفلٍ أو مناسبة، وهي تتحدث عن مطالبتها بتقسيم بلادنا بين اللص وأصحاب أهل الحق، دون حتى أن توضح مساحة ما تبقى لنا في مقابل ما تُريد أن يكون لذلك اللص الذي أتانا من بعيد.

" لا يُمكن أن نُطالب بريطانيا وقادتها بأن يكونوا ملوكاً أكثر من الملك"، فقبل أن نُطالبها بالاعتذار يجب أن نعتذر لشعبنا كقيادة فلسطينية على فشلنا الذريع في تسويق قضايانا والدفاع عنها، بل والقتال من أجلها، وأي قائدٍ لا ينجح في مواجهة لصوص بلادنا داخل الحلبة الدولية، فمن غير المبرر له بالمطلق رفع الراية البيضاء وإعلان الاستسلام للمحتل وأعوانه، فهذا الوطن للجميع وليس لذلك القائد فقط، وإن لم يكن يملك شجاعة المواجهة فليغادر المكان وليتركه لغيره، وهو ربما يمتلك المراوغة والتكتيك أكثر مما يمتلك ذلك "الزعيم".