ونحن أيضاً

الأحد 05 نوفمبر 2017 10:30 ص بتوقيت القدس المحتلة

قبل أيام اجتاح وسم "أنا أيضاَ" مواقع التواصل الاجتماعي في تظاهرة عالمية لنبذ التحرّش الجنسي ،وحتى تتشجع كل سيدة في رواية قصّتها مع الجريمة الصامتة ولو بعد حين.

كم يدهشني استفاقة الضمير العالمي فجأة تجاه قضية نائمة فيجعلها بإرادة واعية قضية هامّة ثم ينشر فيروس "الحمى" لتصيب حساباتنا وأجهزتنا ونتفاعل معها كما يريدون وبالكيفية التي يتمنّون لها..فتنبت "أنا أيضاَ" فوق قمم الوسوم السياسية وتطفو فوق الخلافات العربية والمناكفات القُطرية وفوق مخاض الشعوب "الحبلى" بالثورة والكفاح والموت اليومي.

جميل أن يتّحدَ العالم ضدّ التحرش، لكن هل لهذا الضمير العالمي أن يستفيق تجاه أوطاننا "المغتصبة" ويجعلها بإرادة واعية قضية هامة ليصعد بها فوق الوسوم، منذ مائة عام والأمة العربية تتعرّض لتحرش وانتهاك واغتصاب وإجهاض لحلم الوعي والاستقلال، فهل تريدون أن تسمعوا قصّتنا مع التحرّش؟

و"نحن أيضا" تعرّضنا لما تعرّضت له ضحايا هذا الوسم، في مثل هذا الشهر قبل مائة عام أرسل آرثر بلفور رسالة إلى "لونيل روتشيلد" يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وقبل مائة عام كان تعداد اليهود لا يزيد عن 5% من سكّان فلسطين، لكنهم اغتصبوا الوطن كله، فحبلت الأراضي العربية بمخيّمات اللجوء وولدت الأوجاع في كل مكان.

كان الفلسطينيون عندما ينصبون خيامهم يبقون أبوابها مشرعة نحو فلسطين، ليروا الضوء القادم من التلال المحتلة، ليشتموا رائحة أراضيهم التي تموج بالزيتون الحزين، للزيت الذي يتساقط دمعاً كلما داسته جرافات الاحتلال، كان الفلسطينيون يغلون قهوتهم أمام خيامهم على فجر فلسطين، الدخان المتصاعد صباحاً يرسل إلى الوطن غيمة من شوق وتنهيدات، ظلّت المفاتيح الطويلة بأيدي الكبار على أمل العودة، وظلت الثياب المطرزة تحتضن الإبرة في الكمّ، هناك في غرف الطين لم تكمل الرسمة بعد ولم يكتمل قوام الثوب المطرّز، وظل الزيت يؤنس السراج المطفأ فوق فراش "العيلة" أن اصبر فالفلسطيني عائد، فماتت الأمهات ومفاتيح "العودة" تحت الوسائد.

ونحن أيضاَ تعرَضنا لما تعرَضت له ضحايا هذا الوسم، ففي مثل هذا الشهر قبل خمسة عشر عاماً كان مجلس الأمن يغتصب قناعات العالم وسلام العراق، كان يروّج لأسلحة الدمار الشامل وطرد المفتّشين، كان يتحرّش بعروبتنا وبعفّة عراقنا عندما ألجمت أمريكا المجتمع الدولي بأكاذيب مارست فيها كل الوقاحة السياسية والدناءة الأخلاقية فلون النفط لدى "مقامر" البيت الأبيض أكثر إغراء من الدم العربي كله.

نزعوا عباءتها بحجة التفتيش، أغمض العرب جميعاً عيونهم كي لا يروا عوراتهم أو تنكشف سوءاتهم، وفي لحظة الإغماض الطويلة اغتصبت بغداد فأصيبت الأمة بالعمى، وصارت بلد الرشيد بلد "رامسفيلد"، واستبدل المصفقون لاحتلال أرضهم عمامة "هارون" بقبّعة "برمير"، وأُحرقت جثّة عبير! لا أحد يذكر عبير بالتأكيد، لكنني أذكرها، وأذكرها جيدا في أول الاحتلال، عبير تلك الفتاة العراقية التي اقتحم جندي أمريكي ثمل منزلها، فاغتصبها أمام مرأى عائلتها ثم أطلق النار عليهم جميعاً وأحرق عبير، لكن لسوء الحظ لم يكن في ذاك الوقت "تويتر" ولا "فيس بوك" حتى تكتب عبير قصتها ككل نساء العالم تحت وسم "أنا أيضاَ".

ونحن أيضا تعرّضنا ما تعرّضت له ضحايا هذا الوسم، بل تعرّضنا لما هو أبشع منه والعالم كله يقيس مستوى صوت الأنين، أو التفاوض مع الجاني أو تبادل الدور معه حتى، سوريا تتعرض لاغتصاب جماعي، روسي وإيراني وأمريكي وتركي وداعشي وعربي عند الضرورة، والنتيجة إجهاض للثورة واغتصاب للثروة، والبلاد الماجدة ذات الرسالة الخالدة أصبحت مما "ملكت أيمانهم"، وممنوع على سورياً أن تكتب ككل الحرائر اللاتي تعرّضت للتحرش أو الاغتصاب قصتها تحت "أنا أيضاَ" لأن حنجرتها محتلّة بين "شبّيح" و"تاجر ثورة"، وكلاهما يخنقان الوجع الحقيقي ويفضلان الموت بصمت، بين تاء التأنيث وتاء التحرير وجع مقتسم، فوسم التحرش والاغتصاب للنساء قد يتصدر أسبوعاً ويزول إلا من ذاكرة الضحية، وكذلك "وسم" اغتصاب الأوطان مثل الوشم يبقى في ذاكرة الشعوب لا يمحوه إلا دم الحرية أو حلّ القضية.