الوعد الذي كذّبه اليهود وصدّقه العرب

السبت 04 نوفمبر 2017 08:42 م بتوقيت القدس المحتلة

في الوقت الذي كان فيه وزير خارجية بريطانيا يسرّ بوعده الآثم بمنح فلسطين للحركة الصهيونية، كانت قطاعات مهمة من يهود أوروبا مستاءة مما بات يظهر من تواطؤ أوروبي على تطهير القارة من اليهود، وجنوح قطاع لا يُستهان به من نخبة أصحاب المال والنفوذ اليهود نحو الانخراط في هذه اللعبة.

إدوين صموئيل مونتاغو، الوزير اليهودي الوحيد في حكومة لويد جورج التي منحت وعد بلفور للصهاينة على طبق من ذهب، كان أبرز الشخصيات اليهودية التي تصدت للوعد واعتبرته شكلاً من أشكال معاداة السامية إذ يهدف في جوهره إلى التخلص من اليهود ووضع حد لما كان يُعرف في حينه بـ"المشكلة اليهودية" في أوروبا عبر الترانسفير.

كثيرون من عامة اليهود ورجال الدين كانوا ينظرون للمسألة من منظار مونتاغو، لا سيما في عدم إيمانهم بكون فلسطين هي المكان الأكثر قداسة لليهود، وهو الأمر الذي ذكره مونتاغو في رسالة بعث بها إلى حكومة بلاده عام 1917 جاء فيها ما يلمح إلى كون سيناء، على سبيل المثال، منطقة ذات قدسية أكبر من قدسية فلسطين في الديانة اليهودية.

الاعتقاد بكون فلسطين عاصرت تاريخياً يهودياً في مرحلة ما، لكنها لا تحمل خصوصية دينية في العقيدة، إلى جانب التحذير من مساعي تحويل اليهود إلى أمة (أو اثنية)، كان الاعتقاد السائد لدى رجال الدين وعامة اليهود في ذلك الوقت، في حين تم النظر إلى الحركة الصهيونية بوصفها عقيدة سياسية فاسدة، وليست دينية، تحاول تسييس القضية اليهودية واعطائها بُعدا قومياً، تماما كما تمّ تسييس فكرة الهجرة إلى فلسطين من أجل حث اليهود على فعل ذلك، بعد أن فشل البُعد الديني في حثهم على الاستيطان في فلسطين.

ولمزيد من الإيضاح؛ يكشف المؤرخ اليهودي الشهيرغيرشون شافير أن فلسطين لم تكن خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وجهة دينية لليهود؛ فخلال هجرتهم خارج أوروبا تحت وطأة الحروب والتمييز وصعوبات الاندماج لم تختر سوى فئة لا تكاد تُذكر منهم التوجه إلى فلسطين لم تتجاوز ثلاثة أعشار من المائة (0.3٪) من نسبة المهاجرين اليهود حول العالم، وذلك قبل مؤتمر الحركة الصهيونية عام 1897 الذي أضفى على فكرة الهجرة إلى فلسطين بُعدا قوميا.

ويُتابع شافير بأن ما لا يزيد عن 3 من المائة (3٪) من المهاجرين اليهود اختاروا فلسطين وجهة لهم منذ "إعلان بازل 1897" وحتى عام 1914 ، مما يُعطي مؤشراً واضحاً على رفض السواد الأعظم من اليهود للفكرة الصهيونية حتى ذلك الوقت، أي عام 1914. ووفق ذات المصدر، فإن وعد بلفور أيضًا (1917) وجميع التسهيلات التي قدمتها سلطات الانتداب البريطانية لم تنجح في خلق إجماع يهودي على الهجرة إلى فلسطين، إذ لم تشكّل فلسطين وجهة مختارة سوى لـ 30 من المائة (30٪) من عموم المهاجرين اليهود حتى عام 1933.

كان يهود أوروبا في ذلك الوقت، بحاجة إلى ما هو أكثر اقناعا من البروباغندا الصهيونية، وما هو أقسى من الحوادث العنصرية والاضطرابات ونهب الأموال وتخريب الممتلكات، من أجل أن يسلّموا إيمانهم وأقدارهم للحركة الصهيونية، وبالفعل لم يتحقق ذلك إلا بعد السيطرة النازية على أنحاء واسعة من أوروبا بين عامي 1933-1940 حيث أصبح هدف استئصال اليهود وغيرهم من الضعفاء (بوصفهم نقيضاً للنقاء العرقي والسطوة القومية) فكرة محورية في الفكر النازي؛ وأدت الممارسات النازية الممنهجة من اعتقالات وقتل وتهجير إلى تصاعد الهجرة اليهودية إلى فلسطين بصورة غير مسبوقة، مشفوعة بتواطؤ الجمعيات الصهيونية الأوروبية التي عقدت الاتفاقيات السرية مع الحركة النازية، بينما تم استئصال الجمعيات التي عارضت الهجرة، وشجعت على إدماج اليهود في بلدانهم بأوروبا.

وقد توجت اتفاقية هافارا التي وقعتها وزارة الاقتصاد النازية مع الاتحاد الصهيوني في ألمانيا صيف 1933 أوج التعاون النازي-الصهيوني المسكوت عنه في المصادر التاريخية، وكانت الاتفاقية تهدف لتشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين عبر منحهم فرصة نقل أموالهم وقيمة ممتلكاتهم إلى هناك لاستثمارها عوضاً عن مصادرتها في ألمانيا.

وقد مكّنت الاتفاقية النازيين بالتعاون مع الجمعيات الصهيونية في ألمانيا وسلطات الانتداب في فلسطين من نقل واستثمار أموال بقيمة 22 مليون دولار بين عامي 1933-1939، بالاضافة إلى تصدير 60 ألف يهودي ألماني إلى فلسطين، كما كان لها كبير الأثر في كسر العزلة التجارية والاقتصادية التي كان يرزح تحتها النظام النازي، وما كان ذلك ليتم لولا تواطؤ الجمعيات الصهيونية.

وبهذا أصبح الوعد البريطاني مع الجهود النازية التي رفعت العصا والجزرة معا في وجه اليهود إلى جانب تواطؤ الحركة الصهيونية مع النازيين على ترويع شعبهم ودفعه للهجرة، توليفة كافية لتحويل وعد بلفور إلى حقيقة يقبلها عامة اليهود بعد أن كانت مرفوضة قبل عقدين فقط من الزمن.. وعلى الجانب الآخر من المعادلة، كان العرب لا سيما في الشام أبعد ما يكونوا عن إدراك ما يُحاك لهم في الخفاء والعلن، فقد صدّقوا أقدارهم وذهلوا عن مواجهتها، وبينما كانت المؤامرة تدور على زرع جسم دخيل بين ظهرانيهم، كانوا قد تقسّموا موزعين هنا وهناك بيادق ومحاربين في جبهات ليست جبهاتهم، ضمن معارك ليست معاركهم، وتحت إمرة جيوش وقادة بذلوا لهم الأرواح لكنهم لم يتقاسموا معهم غنيمة الانتصار.