إنهاء وعد بلفور.. بين القوة والاعتذار!

الخميس 02 نوفمبر 2017 05:55 م بتوقيت القدس المحتلة

حين درست الحكومة البريطانية وعد بلفور، عدّلت فيه ليخرج أقلّ سوءاً من الصيغة الأصلية، فقد كان أسوأ بكثير. وكان حاييم وايزمن ينتظر القرار في ردهات المبنى، حين خرج إليه من مجلس الوزراء صديق يلوّح له بنصّ القرار قائلاً: إليك الولد (يقصد نص القرار)، علق وايزمن لاحقاً في كتاباته "لم يعجبني ذلك الولد، لكني قررت أن أجعله كما أريد"، أي بالقوة.

وعندما صدر القرار 242، وكان مُلْتبساً في ترجمته، هل كان القرار يطالب "إسرائيل" بالانسحاب من "أراضٍ محتلة" أم من "الأراضي المحتلة"؟ يروي فايز الصايغ لبعض أصدقائه، أنه سأل اللورد كارادون (المشرف على صياغة القرار) عن حلّ هذا الالتباس، وكيف يمكن العرب الحصول على حقوقهم، فردّ عليه كارادون "أنتم تستطيعون أن تجعلوه كما تريدون" يقصد: بالقوة. بمقدار ما تكون قوياً، سيحترمك المجتمع الدولي، والثراء هنا لن يؤثر في الاحترام، بل في الاستخدام. ولطالما كان رأس المال جباناً.

عضوية "إسرائيل" في الأمم المتحدة مشكوك بشرعيتها، حيث إن عضويتها كانت مشروطة، وما زالت حتى اليوم، بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وهي حتى الآن لم تنفذ هذا الشرط. بل إن وجودها على أرض فلسطين جاء بالقوة، وليس خافياً ذلك على أحد (يرى الخبير القانوني الدولي شفيق المصري أن المقاومة بعملها على تحرير فلسطين بالقوة، إنما هي تنفذ الإرادة الدولية التي لم تجرؤ الأمم المتحدة على تنفيذها).

              

ما يحرك السياسة في عالمنا هذا ليس قاع العالم المنهزم، بل الإعداد والتجهيز للمعركة الفاصلة على الأرض، وهو الذي سيحقق الانتصار، ولو كان في قاع العالم

على مدى سبعين عاماً، فرضت "إسرائيل" على المنطقة والعالم شروطها ووجودها بالقوة، وفرضت الوقائع التي تريدها، من احتلال ونهب واستيطان وتهويد، حتى أسّست هذه الوقائع للأمر الواقع الذي نعيشه اليوم. وكان تأجيل قضايا الحلّ النهائي في عملية التسوية فرصة ذهبية استغلّتها "إسرائيل" من خلال فهمها لمآلات الأمور في هذا العالم “الديموقراطي”، وسعت لكي تفرض وقائع جديدة وصارخة، فلم يتوقف الاستيطان طوال زمان أوسلو الرديء، وكذلك تهويد القدس وطرد أهلها، والسيطرة على مصادر المياه، وتقسيم الضفة الغربية وتفتيتها.

هذه الوقائع الجديدة فرضت بالقوة "أمراً واقعاً" يتمترس خلف إعلان "اللاءات" الشهير للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، التي وصفتها جهات صهيونية بـ "وعد بلفور الثاني"، حين رفض عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عام 1967، بحجة "الواقع الجديد". هذا يستدعي العبارة الشهيرة، بعيداً عن أساليب البلاغة الاستهلاكية، التي تقول إن العالم تائه بين "حق القوة" و"قوة الحق"، وبين المصالح والمبادئ، وبين الخير والشر. وأخيراً، بين النظرية والواقع اللذين يُفترض في منطق الأشياء ومسارها أن يتوافقا، إلا إذا كان هذا الواقع مفروضاً. وهو ما حصل على الأرض بعد فرض الوقائع التي أصبحت واقعاً.. مفروضاً!

إذن، الباطل (وعد بلفور)، فرض في المنطقة كائناً غريباً عنها بالقوة. هذا الكائن، فرض بالقوة، وقائع جديدة رفضها العالم ثم سكت عنها، ثم أقرّها، فأصبحت أمراً واقعاً. وبالقوة أيضاً، أجبرت الوقائعُ والواقعُ العالمَ على أن يتعامل "بواقعية" مع ما استجدّ على الأرض. إذن هي القوة التي فرضت الواقع والمسار والإيقاع الذي يتحرك فيه العالم كله. هي القوة إذن منذ ما قبل بلفور، فهل يعي دعاة "السلام" هذا المنطق، أم أنهم "يتفهمون" الواقع الجديد إلى حد "الوقوعية" فتخلّوا عن تغييره. 

بالخلاصة، في هذه المعركة (الحملة) التي تتصدر الآن مواقع التواصل الاجتماعي والهاشتاغات والعالم الافتراضي، يبقى الجهد افتراضياً وضعيفاً ما لم يتجسد على الواقع. وحتى إذا تجسّد على الواقع، سيبقى ضعيفاً، إذا لم يكن مدعوم الإرادة والشعب والمقاومة، لا نقلل من قيمة العمل المدني الاجتماعي الأكاديمي، فهو مهم للغاية، ولكن ما يحرك السياسة في عالمنا هذا ليس قاع العالم المنهزم، بل الإعداد والتجهيز للمعركة الفاصلة على الأرض، وهو الذي سيحقق الانتصار، ولو كان في قاع العالم.

الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تتجاوب مع القوة. القوة التي تُخضع ابنها المدلل (الكيان الغاصب). القوة المدعومة بالحق وبالشعب وبالتاريخ والمقاومة بكلمة، التغيير المطلوب لوعد بلفور يتمّ بالقوة والمقاومة. والاعتذار المطلوب من بريطانيا هو أضعف الإيمان!