"إسلام نيوم" أو البحث عن إسلام سعودي معتدل!

الخميس 02 نوفمبر 2017 10:53 ص بتوقيت القدس المحتلة

"إسلام نيوم" أو البحث عن إسلام سعودي معتدل!

خليل العناني

"عندما يتحدث أحدهم عن إسلام وسطي معتدل" أتحسس مسدسي! هكذا أصبحت حالي كلما سمعت أحد حكام العرب، ومن يديرون شؤونهم، يطلق هكذا تصريح. فما يلي ذلك من سياسات وقرارات وإجراءات يكون، في أغلب الأحوال، أسوأ مما قبله. قبل أيام أطلق ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان (٣٢ عاما)، تصريحا مشابها حين قال، على هامش أحد مؤتمرات تشجيع الاستثمار، (لاحظ الرابط بين المناسبة والتصريح!)، بأن بلاده "تسعى إلى العودة إلى الإسلام الوسطي المعتدل وأنها سوف تدمر أصحاب الأفكار المتطرفة فورا". هكذا وبدون مقدمات أطلق ابن سلمان تصريحه الذي تناقلته وسائل الإعلام المحلية والعالمية باعتباره "سبقا صحفيا" و"خبرا عاجلا".

تصريحات ابن سلمان رافقت إعلانه عن مشروع استثماري ضخم أُطلق عليه مشروع "نيوم" (لا أحد يعلم معنى أو أصل الكلمة حتى الآن!)، وهو مشروع يمتد على مساحة ٢٦ ألف كليو متر مربع ويهدف لبناء مدينة استثمارية وسياحية على الحدود الشمالية الغربية للمملكة ويشمل أراضي أردنية ومصرية بحجم استثمارات يبلغ حوالي ٥٠٠ مليار دولار.

بالطبع لا يمكن إطلاق هكذا مشروع في بلد لم تحصل فيه المرأة على حقها في قيادة السيارة حتى أسابيع قليلة مضت، ولا يمكن لمستثمر أجنبي عاقل أن يضع استثماراته وأمواله في بلد مكبل بثقافة محافظة دينيا واجتماعيا، ناهيك عن جماعات التطرف والعنف التي تنهل من كتب وفتاوى شيوخ الوهابية المتشددة. فكان على الأمير الطموح أن يصدر هذه التعليقات من أجل طمأنة المستثمرين الأجانب حول مستقبل استثماراتهم في السعودية. مشروع "نيوم" يتماشى مع، (وربما كان ذلك أحد شروط المستثمرين)، مشروع اجتماعي وديني موازٍ يجري العمل عليه الآن ويهدف لإنتاج نسخة من "إسلام جديد حسب المواصفات الأجنبية" يمكن أن نسميه بأريحية "إسلام نيوم".

بدون عناء كبير، يمكن للمرء فهم خلفيات وأسباب إطلاق ابن سلمان لتصريحه على هامش مؤتمر اقتصادي هدفه الرئيس جذب الاستثمارات الأجنبية، وليس له علاقة من قريب أو بعيد بالدين أو نمط التديّن السعودي، فالرجل يسعى لتقديم نفسه للغرب باعتباره القائد الإصلاحي الذي سوف يقود المملكة من ظلمات الانغلاق الديني والاجتماعي إلى نور الإصلاح والانفتاح. ولا غرو في القول إن تصريحه ما هو إلا "عربون" اعتماد أوراقه كملك قادم بعد والده الملك سلمان عبد العزيز. وقد اختار أن يطلق تصريحاته تلك من خلال حدث يوجد به مئات المستثمرين ورجال الأعمال الذين تراودهم شكوك عديدة حول قدرة المملكة على الانفتاح وأن تكون بيئة آمنة وصديقة للاستثمار الأجنبي.

لم يكن ابن سلمان يتحدث للسعوديين، فهم أدرى الناس بإسلام بلادهم ونمط تديّنهم، وإنما كان يتحدث بالأساس للخارج، ويوجه رسائله إلى مَن يديرون المسرح الدولي من أجل نيل دعمهم وتأييدهم، فآخر ما يفكر فيه المستبدون شعوبهم وآراءهم. أما الطريف في تصريحات ابن سلمان فقوله إن "بلاده لم تكن كذلك [أي متشددة دينيا] قبل عام ١٩٧٩" وذلك في إشارة إلى الثورة الإيرانية التي كانت -بحسبه- سببا في قيام وانتشار تيار الصحوة الإسلامية في المملكة وخارجها. يريد ابن سلمان أن يوهم الجميع بأن بلاده كانت "منارة الوسطية والاعتدال الديني" قبل ثورة الخميني التي قلبت الأوضاع في المنطقة، وأن ينسوا ثلاثة قرون من التحالف المتين بين الوهابية والدولة السعودية الأولى، نجم عنه ترسيخ ونشر طبعة من إسلام محافظ ومتشدد بات علامة مسجلة باسم السعودية تُعرف به داخليا وخارجيا.

ويريد ابن سلمان أن يغسل يديه من الأيديولوجية الوهابية التي كان لها دور معتبر في انتشار تيارات العنف والتكفير شرقا وغربا، والتي قتلت كثيرين بفتاواها المتطرفة، في وقت دعمت فيه بلاده قادة الفكر المتشدد لعقود ودعمتهم بالمال والسلاح كما حدث في أفغانستان خلال الثمانينيات من القرن الماضي. ويريد للجميع أن ينسوا، فجأة، رعاية السعودية لآلاف المساجد التي مُلئت أرففها بكتب وفتاوى شيوخ وأئمة حرّضوا، ولا يزالون، على التشدد والتطرف وكراهية الآخر. يريد أن يوهمنا بأن السعودية كانت تقود الفكر التنويري في المنطقة قبل أن يظهر "الملالي" في إيران ويحوّلوا هذا الفكر "الوسطي الوديع" إلى فكر أصولي متشدد!

يستكمل ابن سلمان تصريحاته على هامش المؤتمر المذكور فيقول: "سوف نقضي على بقايا التطرف في القريب العاجل، ولا أعتقد أن هذا يشكّل تحديا، فنحن نمثل القيم السمحة والمعتدلة والصحيحة، والحق معنا في كل ما نواجه". هكذا وفي عبارة واحدة تبنّى ولي العهد السعودي منطق المفاصلة الذي يرمي به خصومه، وذلك حين اعتبر نفسه "الممثل الشرعي" "للقيم السمحة والمعتدلة والصحيحة" وأن "الحق معه فيما يواجه"، ما يعني أن كل من يخالفه هو الباطل إن لم يكن الكفر بعينه. وهنا لا تختلف تصريحاته عن تصريحات غيره من زعماء اليمين السلطوي العربي كالجنرال عبد الفتاح السيسي وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وسفيره في واشنطن يوسف العتيبة الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس بنسختهم المتخيلة من "إسلام وسطي معتدل" منزوع الإرادة، منسحق الهوية، متعايش مع الظلم والاستبداد.

التأمل فيما قاله ابن سلمان على هامش منتدى "مبادرة مستقبل الاستثمار" لا يدع مجالا للشك بأن السعودية بدأت عملية تفكيك طويلة المدى لمؤسستها الدينية التقليدية، ولثقافتها المحافظة، التي شكّلت مصدرا رئيسا لشرعية الدولة السعودية لأكثر من ثلاثة قرون منذ منتصف القرن الثامن عشر. وهي عملية تتأكد من القرارات التي تصدر كل يوم، مثل تجميد وإقالة آلاف الأئمة، وتغيير المناهج الدينية والتربوية، والسماح للمرأة بقيادة السيارة، والمسابقات الرياضية للنساء، وسهرات الترفيه، وخطط إنشاء المدن السياحية، إلخ.

قطعا، لا مانع في أن يتبنّى ابن سلمان، ومن خلفه، خطابا مغايرا لما كانت عليه الحال طيلة القرن الماضي، وأن يبدأ في عملية إصلاح اجتماعي جذري لبلاده ومجتمعها بعد عقود من الانغلاق والعزلة، ولكن أن يحدث ذلك في وقت يتم فيه اعتقال وسجن رموز مشهود لهم بالاعتدال والوسطية الحقيقية (وليست المفتعلة) مثل الشيخ سلمان العودة وغيره، أو أن يحدث ذلك في وقت لا يمكن لأي معارض سياسي، حتى وإن كان من داعمي ولي العهد مثلما هي الحال مع الكاتب الصحفي جمال خاشجقي، أن يعود لبلاده خوفا من الاعتقال والسجن، فأقل ما يمكن أن توصف به هذه "الإصلاحات" أنها حق يُراد به باطل.