فلسطين والشام.. بين وعد بلفور ووعد لافروف

الأربعاء 01 نوفمبر 2017 06:15 م بتوقيت القدس المحتلة

فلسطين والشام.. بين وعد بلفور ووعد لافروف

بقلم الكاتب السوري: أحمد زيدان

بين وعد وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور ووعد نظيره الروسي سيرغي لافروف مئة عام تقريبا، ففي الثاني من (نوفمبر/تشرين الثاني) 1917 وعد وزير الخارجية البريطانية آرثر بلفور يومها الذي غدا لاحقا رئيسا لحكومتها اليهودَ بوطن قومي على أرض فلسطين جنوبي سوريا، وبعد مئة عام تقريبا يكرر الاحتلال ذاته فيعد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الأقليات السورية بحكم أقلوي مدى الحياة، ويحذرهم من مغبة القبول بحكم سني في سوريا.

وقاحة لا تقل وقاحة عن الدور البريطاني القذر في فلسطين يوم قلعت شعبا وزرعت عصابات من شذاذ الآفاق، لكن أن يقبل بها اليهودي ربما أمر طبيعي، لكن أن تقبل بها عصابة طائفية في الشام اعتاشت لعقود على القومية العربية وأفيون الوحدة والحرية والديمقراطية التي خدّرت بها البلهاء والمساكين فهذا هو الجديد في عالم الاحتلال الوقح.

لا تزال بريطانيا تدفع ثمن ذاك القرار المشؤوم، ولا يزال الكثيرون يطالبونها بالاعتذار عن اقتلاع شعب من أرضه، لكن ماذا يقول الاحتلال الروسي للشام الذي فاق الإجرام البريطاني فقصف أهل الشام وشرّدهم ودافع عن مجرم ضرب ما يُفترض أن يكون شعبه لكن ليس بشعبه بالكيماوي، ونشرت أساطيلها ومليشياتها الطائفية واستعانت بقوى إقليمية لتنفيذ جرائمها في الشام؟!

يكرر لافروف اليوم موقف بلفور فيتسلح بالأقليات التي ناصرت المستبد والمحتل على حساب الحرية والديمقراطية والعدالة

بريطانيا رحلت وتركت اليهود يحكمون فلسطين، ولكن روسيا تدرك تماما أن العصابة الطائفية أقل من أن تصمد أمام غضبة شعب أبيّ قرر أن يعيش حرا فوق الأرض، أو أن يرقد بسلام وأمان تحتها ليخلّد التاريخ مآثره في البطولة والفداء بعد أن عجز الماضي عن الاعتراف بفضله وبطولاته وسط ضجيج البي 52 وصراخ مجلس الخوف الدولي المتستر على قاتل معروف مكشوف لمئات الآلاف من ضحاياه المجهولين، فالجثث مجهولة، لكن القاتل معروف ولا يزال يتبجح ببلطجيته مشفوعا ومسنودا من مجلس خوف دولي ومؤسسات عالمية ومؤتمرات ما فتئت تطالب بتعويمه، ولكن يبدو أنّ بحور الدم التي سالت في الشام ستغرقه وتغرق من يود تعويمه.

كان الوعد اللافروفي في جوهره بلفوري، فالأخير اعتمد على الأقلية اليهودية الصهيونية في حكم فلسطين مع استزراع حثالاث صهيونية في أرض فلسطين على حساب الأغلبية العربية، خدمة للشعار الذي رفعته العصابات الصهيونية يومها "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب"، وهو ما كرره اليوم لافروف يوم تسلح بالأقليات التي ناصرت المستبد والمحتل على حساب الحرية والديمقراطية والعدالة، فكان وقوف البطريرك اللبناني إلى جانب الطاغية بشار الأسد، وكان وقوف روسيا إلى جانب إيران وحزب الله والحثالات الطائفية العراقية والأفغانية والباكستانية المقاتلة في سوريا.

إذن كرر لافروف نفس السمفونية، سمفونية بلفور بحكم الأقليات، بيد أنه لن يكذب هذه المرة كارل ماركس وهو الذي اعتبر ثورته البلشفية -التي تصادف هذه الأيام- ثورة خاطئة متمنيا لو لم تقع في تلك الفترة، لقد قال ماركس إن التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة، ويبدو أن محاولة لافروف تكرار ذلك ثانية سيكون مهزلة، فالشام لا تقبل التقليد، ومساعي لافروف ومن خلفه بوتين في الاستقواء بالكرد ضد تركيا ساعة وضد الثورة ساعة أخرى كشفت كل ألاعيبهم، لا سيما بعد أن خدعوا تركيا بمفاوضاتهم واتفاقاتهم، فاستلموا مطار منّغ من مليشيات سوريا الديمقراطية وذلك لقطع الطريق على الوجود التركي.

عصر حكم الاستبداد انتهى إلى غير رجعة، وعصر حكم الأقليات المستقوية بالاستبداد والاحتلال لن يعود مجددا، في ظل وعي حضاري للأغلبية بعد أن اكتوت بنار الاستبداد وداعميه لقرن من الزمن، فالذين لا يقرؤون التاريخ محكوم عليهم أن يعيدوه أكثر من مرة، وأن يلدغوا من نفس الجحر مرات ومرات.

لكن كما أن التاريخ لم ينس الدور الفرنسي في استقطاع فلسطين لليهود، فكان الأب الشرعي لوعد بلفور وهو نابليون بونابرت، فإن ما فعله الإيرانيون والمليشيات الطائفية سيذكره السوريون لقرون أنه تم بدعم وبوحي من الأب الشرعي أيضا لكن هذه المرة من روسيا ولافروف وبوتين والغرب، فهذه المؤامرة أكبر من أن يخطط لها وينفذها الممثلون العلنيون الظاهرون، فإن كان المخطط الفرنسي والبريطاني يومها فصل الشام عن مصر عبر زرع الدولة الصهيونية اللقيطة بينهما، وبالتالي سيستحيل تحقيق أي وحدة بين الإقليمين، وهو ما ثبت فشله في وحدة 1958 كان من أسبابها الرئيسة العازل الجغرافي الممثل بدولة بني صهيون، فإن وعد لافروف يسعى اليوم إلى دولة احتلال أقلوية أخرى تعزل هذه المرة تركيا عن عالمنا العربي والإسلامي ما دامت الشام بوابته.

إنهم يحيون وعدا مضى عليه مئة عام، وينسون وعدا شبيها في الشام يتشكل ويسعى أعداؤنا إلى تنفيذه اليوم، فمن الأولى بالإحياء والتحذير، ماض مضى أم مستقبل يتشكل اليوم بخذلاننا وتواطئنا وصمتنا على اختلاف درجات مسؤولياتنا؟