شهداء الأنفاق.. قنطرة من ضياء

الأربعاء 01 نوفمبر 2017 11:22 ص بتوقيت القدس المحتلة

أيمكنُ أن يكون هناك موتٌ صاخب وآخر هادئ؟ أو موت باعث على الفخر وآخر مستحثّ للوجع؟ أو موت يجدّد في القلب إشراقه وآخر يشيع في النفس ظلمات متَصلة؟ تصعب الإجابة على سؤال كهذا، لأن الفقد واحد في معناه وأثره، وفي عمق تلك الخطوات التي يتركها على صفحة الروح، وفيما يمتصّه من عبير القلوب المثقلة بتداعيات الوداع. لكنّ تجربتنا الطويلة والمريرة في فلسطين مع ضروب شتّى من الموت تقول الكثير، وأعني هنا الموت الذي يتخطّف أنبل رجالنا، وأعزّ هاماتنا، وأجمل ما فينا.

لا تتيح المآسي دائماً مجالاً للتفجّع، بل لعلّ هذا الأخير يغدو فعلاً مفلساً وخاوي المعنى على هامش رحيل الكبار، غير أن تفاصيل الرثاء حين تلحّ بمعانيها على الراثي أو الباكي أو المفجوع بالمصاب تحمله على المفاضلة بين الآلام، كأن يستعذب بعضها ويغصّ بأخرى، لأنّ ضربةً تأتيك دونما استعداد ومن حيث لا تحتسب، أو على غفلة وفي لحظة غادرة، أو في غير أوان الحرب قد تخلّف آثاراً لجراح غائرة، توجع وتُشجي، وتبعث في النفس حسرة غامضة. كان هنالك دائماً في غزة شهداء للأنفاق، وهم يصنّفون ضمن شهداء الإعداد، والإعداد شأنه شأن الحرب لا بدّ أن يُخلّف ضحايا، وأن يستوي بنيانه على الدماء، إضافة للجهد والتعب والعمل المضني. وفي حرب غزة الأخيرة، وفي إحدى عمليات مجاهديها المصنّفة ضمن عمليات الإنزال خلف خطوط العدو، وصل نفر من المجاهدين إلى موقع عسكري صهيوني عبر أحد الأنفاق، وبعد إنهاء مهمتهم عادوا منه سالمين إلى غزة.. وقتَها.  

وفي لحظة الصدمة الأولى ادعى إعلام الاحتلال بأنه جرى تحييد (الإرهابيين)، ونشر فيلما يوثق لحظة قصف عين النفق بعد دخول المجاهدين منها عائدين إلى غزة، لكنه عاد وحذفه ثم نشره مجتزأً بحيث يبدو وكأن القصف أصاب المجاهدين قبل دخولهم النفق، لأن الاحتلال استثقل وقتها أن يداس شرفه العسكري في قلب موقع محصّن له، ثم ينسحب منه منفذو العملية بإرادتهم وبعد إكمال مهمتهم، ودون أن يصيبهم أذى. أما جريمة الاحتلال الأخيرة في أحد أنفاق غزة فكان وقعها مختلفا، ليس فقط لعدد شهدائها الكبير، بل كذلك لأنها كانت في وقت تهدئة، ولأنها أظهرت ثغرة، وأكّدت تبجّح عدونا وسعيه الدؤوب لتصفية كل ما يدركه من أهداف، غير عابئ بالحسابات السياسية أو تبعات جرائمه.

لكن من قال إن ضريبة البطولة تُبذل في أوقات الحرب وحسب؟ ومن قال إن الإعداد يسعه أن يكون صامتاً دائماً أو بلا عثرات وثغرات؟ فللمواجهة ثمنها كما للاستسلام ثمنه، وللشهادة رحيقها كما للموت الرخيص مرارته، ولعلنا نحتاج دائماً للمس تلك الفوارق الشاسعة بين حالة وأخرى. أما الأنفاق، فهي تبدو اليوم ذخرنا الكبير لأعوام الرمادة القادمة، وفرسانها قنطرة لامنتهية من ضياء.. هي مدائننا المظلمة في ظاهرها، والمضيئة في جوهرها ومعناها ومغزاها، وفي تفوّقها على عدوّ لا يفتخر بشيء مثل افتخاره بنبوغه وتميّزه على عدوه العربي في عقله وأدواته القتالية وعدّته التقنية. لكنّ الأنفاق تظلّ ضرباً مختلفاً من التكنولوجيا، لم يُمهر بتوقيع العقول فقط، بل بشجاعة استثنائية أيضا، ورجال استثنائيين، وإرادة استثنائية، وبيئة استثنائية.

  الأنفاق، اكتنزت من أسرار المعارك ما لا يزال عصيّاً على التفسير والبيان، وأخرجت من أرحامها شعاعاً امتدّ من لدُن صاعق التفجير فيها إلى جوف زنزانة فيها رجال ينتظرون قسطهم من الوفاء. الأنفاق رمزنا الفلسطيني الأرفع والأجلّ، ممثلنا الشرعي في ميدان المواجهة، باعث اعتزازنا المتعاظم عند تضاؤل آمالنا بالفرج، وعند اشتداد الغمة، واستفحال الندوب في وعينا. 

والشهادة في جوفها ستظل ماضية ما بقيت سواعد المجاهدين تثقب جدر المستحيل محفوفة بالضياء والإرادة، لكن الشهادة في تفاصيلها الأكثر إيلاماً تبدو اليوم لازمة لتعيد ترتيب الأولويات في أذهاننا، ولتضاعف من قلقنا على تلك المنائر التي تمتد في باطن الأرض، على رجالها وعدّتها ومستقبلها.. ولتذكّرنا بأن ذلك فقط ما يستحق أن نتوقف عنده مليّاً قبل خوض لجج السياسة ومحاولة تفكيك تشابكاتها وحلّ جمودها.. وذلك فقط المكتسب الذي يجب أن تُخشى خسارته ويُجتهد في إبقائه مُصاناً ومُسيّجاً بلحمنا ودمنا، وبعقولنا ومالنا، لأن كلّ ما يُبذل لأجله ليس خسارة أبدا.  

فلا شيء سيحنو على جرحنا ويُكرم عزّتنا ويّغذي أملنا مثل ساعد المقاتل، ولا شيء سيجعل موتنا يبدو مشرقاً ومجدياً وغير مجاني مثل إيماننا بوجوب ألا نسلّم ناصية العسكر للخائنين، وألا نغامر بخسارة زادنا من الكبرياء، وعدّتنا الوحيدة لدرء العدوان ومجابهة الانكسار ودفع الهزيمة.