الرزنامة المقدسية

الثلاثاء 10 أكتوبر 2017 09:42 م بتوقيت القدس المحتلة

الرزنامة المقدسية

بقلم: ديمة طارق طهبوب

إن جزءًا من تشكيل مفهوم النصر هو الانقلاب على تواريخ الهزيمة، هو إيجاد حالة ذهنية تحول إرث الخسارة إلى مكسب، وتستفز الهمة من بعد الرقود، وتحمل الأجيال أمانة الإصلاح حيث أخطأ أو قصر الأولون.

في كل عام ترجع إلينا ذكرى ما يسمى وعد بلفور، الذي حاول أن يلبس لبوس الإنسانية وينطق بلسانها، فينظر بعين العطف إلى ما وصفه بعذابات شعب عانى التقتيل والتشريد، وآن له أن يستقر وينشئ دولته في فلسطين، وكأن فلسطين هذه كانت خربة وأرضًا عزلاء منسية تنتظر من يستوطنها ويعمرها، والحقيقة أن ذلك الوعد المدنس لم يكن أكثر من صفقة اشترت بها بريطانيا مادة لصنع القنابل من الصهيوني حاييم وايزمان، وأعطته مقابلها عطاء من لا يملك لمن لا يستحق، وكانت السبب في أكبر مأساة في تاريخ الإنسانية، إذ محت وطنًا عن الخريطة، ومازالت بالغطرسة نفسها ترفض حتى مجرد اعتذار أدبي ورمزي عن سلوكها الاستعماري، مع أنها قدمته للكثيرين حتى قبائل إفريقية صغيرة.

تعود الذكرى السنوية وحال السياسة الرسمية في تردٍّ بلغ أشده بالانقضاض على المقاومة لأجل مسار التفاوض، الذي ما انفك يثبت فشله جولة بعد جولة، وحسن الحظ في هذا أن العدو الصهيوني ينقض ويخلف، ويستمر بسياساته الأحادية والمتطرفة، دون مراعاة لعهود واتفاقيات.

تعود الذكرى وقد فهمت بعض الشعوب حال ساستها؛ فغسلوا أيديهم منهم، والتفتوا إلى ما بين أيديهم من عناصر قوة ونجاح يستثمرون فيها.

تعود الذكرى وسياسة العدو تحاول إطباق فكي الكماشة على القدس تحديدًا؛ فهو إن أقام كيانه في الساحل لا ينسى أن المركز _إن طال الزمن_ ليس إلا في القدس، إذ لا معنى عندهم لكيانهم دون القدس، ولا معنى للقدس دون الهيكل، ومخططاتهم واضحة ومعلنة ترمي إلى تهويد المدينة بتغيير معالمها وهويتها وإحاطتها بالمغتصبات، وتشجيع الصهاينة على سكناها وطرد أهلها والتضييق عليهم والثأر منهم، وتغيير هويتهم بتغيير التعليم والمناهج، وحصار المسجد الأقصى وأهله بتجريم المرابطين وملاحقتهم، وفرض السيطرة الأمنية عليه بالكاميرات والبوابات.

تعود الذكرى وقد فهم أهل الأردن قبل غيرهم دور الأردن تحديدًا في قلب الطاولة وتغيير المعادلة، بالاستثمار في الإنسان المقدسي، ليكون رأس الحربة في مشروع المقاومة الشعبي، تعود الذكرى وأهل الأردن قد فهموا أن إرادة الشعوب غالبة، مهما كان التفوق العسكري، ولذا بدؤوا مشروعهم منذ سبع سنوات في تثبيت الإنسان المقدسي عنوانًا للصمود والحفاظ على المقدسات.

مشروع جبار حمل لافتة أمل ودعم تزهو بحديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم): "فابعثوا بزيت يسرج في قناديله"، فكانت الحملة السنوية: "فلنشعل قناديل صمودها"، حملة حولت كل الآمال والتمنيات والغضب والإدانة إلى حالة فعل وقوة، قطفنا ثمارها بأعيننا، مقدسيين منزرعين في أرضهم وبيوتهم يفدون مسجدنا الأقصى بالغالي والنفيس.

"فلنشعل قناديل صمودها" بلغت السنة السابعة من عمرها بست مراحل من الإعمار، رممت خلالها ٢١٨ وحدة سكنية، استفاد منها ١١١٠ أشخاص، وأعمرت منشأتين تعليميتين يدرس فيهما أكثر من ١٥٠ طالبًا.

ثمار قطفناها في الانتفاضة الأخيرة، يوم قيض الله للمسجد عبادًا له أولي بأس شديد، يحمونه ويذودون عنه.

يومها كان أهل الأردن موجودين لا بالروح فقط، وإنما أيضًا بأجر الرباط في كل رقعة وبيت عمروه وكل مرابط ثبتوه، يومها كان صوتنا عاليًا في كل تكبيرة، وقدمنا راسخة في كل خطوة، حبسنا العذر فأطلقنا عقال رقابنا بالنصرة بالمال.

هذا اليوم قد حان موعده هذا العام لنجدد وثيقة رباطنا، وصك ملكيتنا، وولادتنا المقدسية المحفوفة بالبركة.

كان عطف العالم يوم بلفور _وما زال_ مع الصهاينة فأين عطفنا؟!، وإلى من ترحل عيوننا؟!

اليوم أزف والقدس تتجهز والأقصى ينتظر سراجه؛ فهل عقدتم العزم على نصرته؟

لقد ولت أيام الهزيمة والتباكي، وبدأنا بكتابة رزنامة مقدسية وتاريخ جديد وولادة متجددة، عنوانها باقون باقون ما بقي الزعتر والزيتون.