في ذكرى انتفاضة الأقصى.. حماس والمصالحة والحركة الوطنية

الثلاثاء 10 أكتوبر 2017 04:56 م بتوقيت القدس المحتلة

يعود الانقسام الفلسطيني إلى جذر يتشكّل من عنصرين؛ الأول احتكار حركة فتح للتمثيل الفلسطيني، وعدم قدرتها على استيعاب وجود منافس جدّيّ لها في الساحة الفلسطينية، والثاني الانحدار الذي قادته فتح بخياراتها السياسية، ومن موقعها متصدّرة للحركة الوطنية الفلسطينية، وهو الانحدار الذي حاولت حماس أن تعرقله بوجودها وخياراتها. هذا الجذر تجسّد لاحقًا في بنية قوية فوق الأرض، هي السلطة الوطنية الفلسطينية.

أدخل قيام السلطة الحركة الوطنية في أزمة مستحكمة، كانت الحالة الوطنية كلها قد دفعت ثمنها، ولكن حماس بحجمها الذي يعني قدرتها وحدها على منافسة فتح تمثيليًّا، ولتاريخها الحافل منذ الانتفاضة الأولى في مزاحمة حركة فتح، ومن جهة أنها الأكثر قدرة على عرقلة الخطوات المنبثقة عن اتفاقية أوسلو، كانت قد دفعت الثمن الأكبر باستهداف السلطة للحركة الوطنية، كما أنها، أي حماس، دخلت في مرحلة من الحيرة والارتباك، كان يُفترض أنها انتهت بالانتفاضة الثانية.

بدت الانتفاضة الثانية وكأنها قد أنقذت الحركة الوطنية كلها، وبالرغم من أن السلطة لم تتغير جوهريًّا، وظلت أوساط واسعة في فتح مرتبطة بالسلطة ومشروعها وبما يترتب عليها، إلا أن أوساطًا وساعة منها كذلك شاركت في تلك الانتفاضة، منها ومن السلطة، وبتوجه من رئيسها ياسر عرفات. خلق ذلك شكلاً من الوحدة الوطنية، تبلور في قلب المواجهة، وبدت الحركة الوطنية أكثر عافية، والشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزّة واحدًا بلا تمايزات في الهموم والقضايا.

لكن تلك الانتفاضة، وهي واحدة من أعظم ملاحم الفلسطينيين، ورغم ما ترتب عليها من نتائج مهمة، جعلتنا في الموضوع الذي نحن فيه اليوم؛ لم تثمر تحولاً جوهريًّا في المسار الذي اختطته فتح، ولكنها أثمرت أزمات لتعقيد وغرابة ذلك النموذج الكفاحيّ، فقد ظلّت السلطة قائمة بالسياسات نفسها، ولم يكن بمقدور الفلسطينيين في بيئتهم الجغرافية والديموغرافية الاستمرار في نموذج كفاحيّ مفتوح، لاسيما مع افتقارهم للظهير، ومن ثم توقفت تلك الانتفاضة، وبقيت السلطة الفلسطينية التي دخلتها حركة حماس!

نتج عن الانتفاضة تفكيك الاحتلال لمستوطناته في قطاع غزّة وانسحابه فيزيائيًّا من هناك، سبق ذلك شعار "شركاء في الدم، شركاء في القرار"، كانت حماس من أكثر من بذل دمًا في تلك الانتفاضة، وسفك دمًا للعدو، تراجعت قوّة السلطة، وتعاظمت قوّة حماس والمقاومة في غزّة، أغرى ذلك حماس بالدخول في السلطة للمشاركة في القرار، وللحفاظ على المكتسبات التي ترتبت على انتفاضة الأقصى، ولمنع الاستفراد بالقرار الفلسطيني تحت شعار صندوق الانتخابات..

في المقابل كانت حماس، وبقية حركات المقاومة، قد استنزفت نفسها في الضفة الغربية، حينما ألقت كل ثقلها، وكادرها وصفّها الأول في غمرة المقاومة، فعلت ذلك، ولم تتمكن، وفي طليعتها حماس، من تعويض الاستنزاف وإعادة بناء الكادر، وقد تفاقمت تلك الخسائر مع عملية السور الواقي، ثم تأسس واقع، انبنى عليه، أن كانت مهمة السلطة من بعد الانقسام سهلة؛ في تفكيك الوجود المقاوم في الضفة، أو الوجود التنظيمي لحماس فيها، مع ما تركه ذلك من آثار عميقة على كادرها.

يمكنك إجراء مناقشة طويلة لفحص قرار حماس بالدخول في السلطة في حينه، وتقليب الحجج المتدافعة كلّها، ولكن ثمة خلاصة من بين ذلك كلّه، أن فتح لم تكن قد تغيرت إلى الحدّ الذي تقبل فيه أن يزاحمها أحد على قيادة الفلسطينيين، أو أن "يستولي" على ثمرة عمرها (السلطة الفلسطينية)، وهذه الثمرة الأخيرة لم تكن قد تغيرت لتقبل تحولاً جوهريًّا في تواجهاتها السياسية، ومن ثم لم تستوعب السلطةُ حماس ولم تقبلها، أفضى ذلك، وبما اتصل به من إرادات دولية أو إقليمية، إلى الانقسام.

بقيت حماس حركة مقاومة، أسرت جنديًّا بعد فوزها في الانتخابات التشريعية بوقت غير طويل، وبعد الانقسام بنت قوّة مقاومة محترمة بالنسبة لظروف وقدرات الشعب الفلسطيني، وهذا بصرف النظر عن أي سجال متعلق بأشكال وأوضاع وظروف توظيف تلك القوّة في سياق الصراع مع الاحتلال، وخاضت سلسلة حروب، وعادت وأسرت جنودًا، وبقيت تحاول في الضفة الغربية.

ولكنّها من جهّة أخرى لم تخاطب الشعب بالمقاومة فقط، أي في دخولها السلطة، بل بالإصلاح والتغيير والبناء، وهو ما لم تتمكنه الحركة بحكم الحصار الذي فرض عليها والحسبة الخاطئة التي لم تراع معطيات الحالة الفلسطينية جيدًا، سيؤثّر هذا بالتأكيد على جماهيرية الحركة.

لكن الأخطر كان الصراع القاسي والعميق الذي دار بينها وبين فتح، وكانت ذروته فيما عُرف حمساويًّا بـ"الحسم العسكري"، لقد أزاح ذلك جذر الصراع، أي الاحتكار الفتحاوي وبرنامج الانحدار، إلى الخلف، وقدّم صورة جديدة لا تخلو من الزيف والحقيقة في الوقت نفسه، إلى الأمام، أي صورة الصراع على السلطة.

تعاملت بقية أطراف الحركة الوطنية مع هذا الصراع بقدر من الانتهازية، بما في ذلك تلك التي استفادت من القاعدة التي وفّرتها حماس في غزّة، وأصرّت نخب وشرائح مجتمعية، وفعاليات من خارج التنظيمات؛ على توصيف الصراع بأنه صراع على السلطة حصرًا، وساوت بين الحركتين، مسقطة السياق كلّه بالكامل، في حالة لا تخلو من الانتهازية والترفع المصطنع.

لكن ظلّت حقيقة ما، وهي أن ثمة صراعًا على السلطة، وأن من حقّ أطراف الحركة الوطنية النأي بنفسها عنه، طالما أنها ليست جزءًا منه، دون أن يعني هذا الحقّ أن استخدامه لم ينعكس سلبًا أخلاقيًّا ووطنيًّا، لاسيما مع استخدام السلطة لبعض تلك الأطراف.

الآن ثمة جهود مصالحة لا نعلم بعد مآلها، وهذه الجهود تستحق بالتأكيد تحليلاً في سياقاتها ودوافعها من جهة الأطراف كلّها التي ترتبط بها، لكن ما أودّ قوله هنا، وقد حاولت ذلك التحليل في مقالات أخرى، أن ذلك الجذر الذي أورثنا الانقسام والأزمة التي نعانيها ينبغي أن يكون اليوم محلّ اهتمام كل الحركة الوطنية، هذه الحركة التي ينبغي ألا تغطي اليوم سلبيّتها وعجزها وانتهازيتها بالصراع على السلطة، فحماس تعود خطوات إلى الوراء في موضوع السلطة والحكم، مخلّفة إرثًا من البناء المقاوم، وأرضية للمقاومة استفاد منها الجميع.. ولكن تبقى ألغاز ومخاطر تنفتح ضمن ظروف حوارات المصالحة الجارية، تفكيكها والتحسب لها، ينبغي أن يبدأه الجميع، ومن الآن.