أيديولوجية حماس.. وشعب أبي طالب

الإثنين 09 أكتوبر 2017 12:58 م بتوقيت القدس المحتلة

أيديولوجية حماس.. وشعب أبي طالب

تتفاوت ردود الفعل تجاه حركة المقاومة الإسلامية حماس ما بين مؤيد ومعارض على إتمام إجراءات المصالحة الفلسطينية ووضع يدها في يد حركة فتح مجددًا وتسليم قطاع غزة إداريًا لها. أما المؤيدون فأسباب فرحتهم تتلخص في وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة الضفة وغزة وإعادة اللُّحمة الوطنية وكسر الحصار، أما المعارضون فيرون أن ما حدث يعتبر انكسارًا لحركة حماس وارتدادًا عن الحق وطريق المقاومة ورِضًا بالذل الذي يتمثل في التعاون مع فتح ونظام السيسي اللذين لا يرضى كلاهما بوجود المقاومة المسلحة على الإطلاق، ومصلحة فلسطين عندهما لا تقل قيمة عن مصلحة إسرائيل، بل ربما لتزيد الثانية عن الأولى! هنا وجب التنبيه لنقطتين يجب أخذهما بعين الاعتبار قبل أن نسارع فنشير إليهم بأصابع الاتهام وهم الذين دافعوا عن أرضنا المسلوبة ومقدساتنا المحتلة.

النقطة الأولى أن حماس أعطت المسئولية لحركة فتح ولم تسلمهم سلاحها. نعم، حتى هذه اللحظة لم تعلن حماس عن تغيير أيديولوجيتها وفكرها المقاوم، بل من شروط الاتفاق عدم المساس بسلاح المقاومة. حماس غيرت من سياستها فقط، والفرق بين تغيير الأيديولوجيا والسياسة كبير. حينما نتكلم عن العناصر الرئيسية في أيديولوجية حماس فإننا نتحدث عن أن المقاومة المسلحة هي مفتاح التحرير، وأن حل الدولتين مرفوض شكلًا وموضوعًا وأرض فلسطين الـ27 كم مربعًا لا تتجزأ ولا يُعطى شبر واحد منها لعدوها، وأن الإسلام هو العقيدة والمنهج والتربية الإسلامية هي القاعدة الرئيسية للاستعداد لتحرير الأرض والمقدسات. أما السياسة فكم المتغيرات فيها أكثر من الثوابت، الثابت فيها هو ما يقع بين الحركة والكيان الصهيوني، أما المتغير منها فما يقع بينهم وبين الأنظمة السياسية العربية والإسلامية، بداية من نظام محمود عباس والسيسي إلى إيران وسوريا إلى دول الخليج وقطر وتركيا وغيرها من البلدان الإسلامية. التغيير في السياسة تحركه المصلحة مع عدم الاصطدام بالثوابت والأيديولوجيا، وهذه هي مساحة المناورة المتاحة فقط. أما التغيير في الأيديولوجيا فأصعب بكثير من ذلك ويتطلب مراجعات فكرية وتقييمات شاملة ووجود جيل جديد من المفكرين قادرين على بث أفكار جديدة ومختلفة وبناء عقيدة صلبة بناءً عليها، وهذا لست أرى له أية شواهد في حركة حماس، ولم يكن تغيير هنية بالسنوار إلا تغييرًا على المستوى السياسي فقط لاثنين يعتنقان بقوة نفس الأيديولوجيا.

إذن ما فعلت حماس باختصار أن قالت لفتح إن هذا شعبكم ووطنكم كما هو شعبنا ووطننا، وإن كنتم تحتجون بنا أننا السبب في وقف أي مساعدات له أو حصاره، فهاكم المجال، لن نكون ضد أي مساعدة تأتي لأبناء هذا الوطن طالما أن السبيل لذلك ليس تخلينا عن ديننا وأيديولوجيتنا. فنجاح سلطة محمود عباس في رفع الحصار أو تحسين الحالة المعيشية لسكان القطاع هو مصلحة كبيرة يمكن تغيير السياسة من أجلها، بل واجب لا يجب أن تقف حماس عقبة أمامه إن كان لا ينال من عقيدتها المقاومة. أما إذا فشلت فتح في ذلك وخالفت بنود المصالحة، فأيضًا تربح حماس، أولًا لأنها تكون قد أثبتت أنها مع الوحدة وأنها ليست هي العائق في طريقها، ثانيًا أنها لم تقصر في حق شعبها، وأن خيار المقاومة يظل الأمثل حتى مع تردي الأوضاع المعيشية، وللشعب حق اختيار من يقوده في الانتخابات المزمع عقدها والتي تمثل أحد بنود اتفاق المصالحة.

النقطة الثانية هي أن ما قدمت حماس من تنازلات وما قد تضطر أن تقدم، يعطيها هي الحق أن تلومنا قبل أن نعاتبها نحن. لقد ارتضت حركة حماس وحدها أن تكون هي رأس الحربة في وجه العدو الصهيوني مقابل دعم زهيد من بقية الأمة، يتمثل في الدفاع عنها وإظهار مشروعيتها على كل المنابر الممكنة، ودعمها سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا بما تستطيع أي دولة أو حزب أو حركة إلى ذلك سبيلًا. وتحملت ما لا يطيقه أي ممن يشيرون بأصابع الاتهام لها. لكن ما حدث أن خلال هذه السنوات العشر من الحصار تغير العرب تجاه الكيان الصهيوني تغيرًا جذريًا، بداية من السيسي الذي يدافع عنهم حتى على منابر الأمم المتحدة، إلى السعودية والبحرين وغيرهما من الدول التي بدأت تتحرك في اتجاه التطبيع المباشر معهم. أي أنه في هذه الأعوام العشرة نستطيع أن نقول قد تغير الجميع إلا حماس!

حينما كنا ندرس السيرة النبوية ونتناول حصار شعب أبي طالب الذي امتد قرابة ثلاثة أعوام، كنا نرى من المشركين (أي ممن يختلفون دينيًا أو دعنا نقل أيديولوجيًا مع محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه) من يمد لهم يد العون، كمثل هشام بن عمرو وحكيم بن حزام، يأتون بني هاشم بالطعام والثياب والزاد. وكمثل زهير بن أبي أمية الذي أقسم أن يقطع صحيفة المقاطعة. أما حصار هذه الفئة المؤمنة المقاومة التي لم تطلب إلا حق شعبها وحق أمتها في استرداد أرضها ومقدساتها، هذا الحصار الذي دخل عامه الحادي عشر، فإننا قد رأينا محاربة ذوي القربى لهم لمجرد اختلاف الفكر والطريقة والأيديولوجيا معهم، فانقلبت عليهم فتح رغم اختيار الشعب الفلسطيني لهم في الانتخابات التي لم يعترِها تزوير، ثم حاصرها النظام المصري حتى اضطروا لشق الأرض وحفر الأنفاق كي يجدوا متنفسًا لهم عبر الجانب المصري، ثم تغير النظام المصري فجاء من استكثر عليهم حتى هذا المتنفَس فهدّ الأنفاق وضخّ الأرض بالماء وأغلق المعبر بشكل شبه تام وأطلق الرصاص على من يقترب من ناحية البحر حتى وإن لم يتجاوز الحدود الوضعية التي لم يكن لها أي وجود بين مصر وغزة في أوائل القرن الماضي. رأينا السعودية ومصر والإمارات وغيرهم من الدول من يرى في حماس أنها الشيطان الأكبر، وأنهم إرهابيون ليسوا مقاومين. رأينا أنهم تحملوا خلال هذا الحصار ثلاث حروب شعواء من هذا الكيان الصهيوني الغاصب الذي أصبح أقوى أضعاف ما كان عليه يوم هزم جيوش سبع دول عربية في نكبة 1948. نعم، لقد تحملوا حصارًا أشد وأطول وأقسى من حصار شعب أبي طالب، وخُذلوا واتُهموا ظلمًا وبهتانًا وزورًا بدلًا من أن نكتفي بالاعتذار إليهم على تقصيرنا ونكف عنهم أيدينا وألسنتنا!

الخلاصة دعونا نصبر لنرى ما ستؤول إليه الأيام، فهناك من المخفيّات أكثر مما تم الإعلان عنه من كلا الطرفين، وهذا ما يعلمه بلا شك كلا الطرفين، ويخطط بناءً عليه، فإن كانت حماس ترواغ وتحرك الماء الراكد وتحاول أن تستفيد من خصومها دون تغيير أيديولوجيتها فهذا ما تعهده الأمة والشعوب بها وتأمله فيها، وإذا كانت قد غيرت وتنازلت وانكسرت، فلنعلم أنها ما انكسرت إلا لأننا خذلناها وقد أبدت من الصبر والجَلَد والشجاعة ما لم نكن نتخيله، وأنها يكفيها شرفًا أنها كانت آخر العرب انكسارًا!