الإله الذي خلقَنا والإله الذي خلقناه..

الأحد 08 أكتوبر 2017 07:09 م بتوقيت القدس المحتلة

الإله الذي خلقَنا والإله الذي خلقناه..

بقلم الكاتب: أحمد أبو رتيمة

كثيراً ما تكون خلافاتنا لفظيةً لا جوهريةً، فيخوض فريقان نقاشاً عنيفاً لكن إن دققت في المعاني التي يقصدها كل فريق لوجدت أنهم عملياً يفتعلون معارك لا وجود لها في الحقيقة إذ يشرح كل فريق نفس المعنى لكن بألفاظ وفلسفات مختلفة..

لذلك فإن اللغة مصيدة ينبغي الحذر من الوقوع فيها، والنقاش الفكري الحقيقي هو الذي يحرص على تحرير المفاهيم والمعاني ولا يتوقف عند إشكالات اللغة وألفاظها..

قال لي صديق ملحد إنه لا يؤمن بالله لأن الإيمان بالله يخدر الشعوب عن النضال في سبيل انتزاع حقوقها، واستدل بأن الفقراء يسكتون عن المطالبة بحقوقهم من الأغنياء المترفين لأنهم يمنون أنفسهم بأن هناك داراً آخرةً اسمها الجنة سيتنعمون فيها ويأخذون حقوقهم، ولولا هذا الإيمان لما قبل الفقراء باستحواذ الأغنياء على الأموال والثروات..

الرد التقليدي هو أن أخوض معه نقاشاً فلسفياً لتقرير حقيقة وجود الله عبر أسئلة من قبيل ماذا قبل خلق هذا الكون وماذا قبل بدء الزمان، وهي أسئلة مشروعة من حيث المبدأ لكنها لن تقنع شخصاً اتخذ قراراً داخلياً بالعناد..

أؤمن بأن الإيمان بالله في المقام الأول شعور، والشعور أقوى من الفكر لأنه إحساس الإنسان الداخلي العميق الذي لا يستطيع تكذيبه، لذلك صرت زاهداً في مسألة إثبات وجود الله نظرياً للملحدين، الأمر في هذه الحالة يشبه أن تسعى لإقناع شخص أنه حي،، ربما تقود له آلاف الأدلة على أنه حي مثل أنه يتكلم أو أنه يسمع ويفكر، لكن النقاش هنا هو لون من ألوان الترف لأنك قادر ببساطة أن تحيله إلى شعوره الداخلي ليعلم أنه حي..

لو سقت ألفي دليل للملحد على وجود الله في ظل قراره الداخلي بعدم الإيمان فلن تقنعه كل هذه الأدلة، لكن يكفي أن يمرض طفله ذات ليلة أو أن يجد نفسه مضطراً للبحث عن قوة تحميه في موطن خطر ليصرخ من أعماق قلبه أنقذني يا الله!!

لذلك حرصت وأنا أجادل صديقي من الوقوع في متاهة اللغة فقلت له: حسناً وأنا مثلك لا أؤمن بالإله الذي يخدر أتباعه فيمنعهم من الثورة في سبيل العدالة والكرامة،، هذا الإله هو إله باطل قددناه على قد أهوائنا،، لقد خلق أكثر الناس آلهةً في تصوراتهم ليتبعوا أهواءهم ويبرروا حيدهم عن الأخلاق والعدل، كل واحد من هؤلاء خلق لنفسه نسخةً خاصةً من الإله تتناغم مع أهوائه ثم عبد الصورة الذهنية لله: "أرأيت من اتخذ إلهه هواه"..

لكن دعنا يا صديقي نجرد المعاني المطلقة: ما رأيك في إله هو الحق المطلق والعدل المطلق والرحمة المطلقة والحكمة الكاملة والإحاطة الشاملة، ما رأيك في إله يأمر بالعدل ويحرض أتباعه على الثورة في سبيل الحق والعدل والكرامة.. قال لي: لا مشكلة عندي في الإيمان بمثل هذا الإله..

قلت له: إذاً الله هو الخير الكامل والعدل الكامل الذي تشعر به، هذا هو الإله الحق، وكل نسخة أخرى من الإله فهي نسخة مزيفة، لذلك عالج القرآن طويلاً مشكلة الشرك، فالشرك هو اتخاذ الآلهة من دون الله، وكل صورة ذهنية في داخلنا مخالفة للحق والعدل والإحسان هو إله أشركناه من دون الله وليس هو الله الحق..

إنني أشعر بالله في نفحات الخير التي تهب في داخلي فتدعوني لفعل الخير والإحسان إلى الناس، أشعر بالله الذي يستفزني في داخلي لرفض الظلم والفساد في الأرض، أشعر بالله في اللحظات الرحمانية التي تغشاني فيرق قلبي ويفيض حباً وإحساناً إلى الناس.. هذا وحده هو الله الذي أؤمن به..

سأل موسى الله تعالى أين أجدك يا رب فأجابه: عند المنكسرة قلوبهم..

هذا هو الله،، نعرفه في ساعات الرحمانية والخير والإحسان، وليس صنماً داخل معبد نتقرب إليه بمعزل عن المسئولية الاجتماعية، إن جيفارا حين كان يقاتل في سبيل العدالة ورفض الظلم فقد كان أقرب إلى الله من متدين يبني بيوتاً فخمةً لعبادة الله، ويترك بيوت الفقراء خاويةً لا يجدون ما يؤويهم ويطعمهم، إن الأول حتى وإن لم يقلها صراحةً قد آمن بإله العدالة، أما الثاني فقد آمن بإله طبقي يغدق الأموال على تشييد المعابد وينسى الفقراء، تعالى الله عما يظنون علواً كبيراً، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية !

إنني مثلك لا أؤمن بالإله الذي خلقه المترفون والظالمون والضعفاء بل أؤمن فقط بالإله الذي خلقنا والذي يأمرنا بالعدل والإحسان والرحمة للعالمين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل..