لحظات فارقة

الأحد 08 أكتوبر 2017 01:47 م بتوقيت القدس المحتلة

لحظات فارقة

عبدالرحمن الجندي

في الوقتِ الذي أُهمِلُ فيه علاماتِ الحُبِ والكُره، تأسِرني "وشحتني" التي مفادُها وحشتني تلك التي يرددها أخي وابن خالتي الذَينِ في مقتبل عُمرهما، عبد الرحمن المشوهة التي كانا ينطقانها، ومحاولاتهما استباقِ الحروفِ لتنميقها جعلت اسمي أندى وأجمل مما أنشدُ أو أعرف.    

يحكي قائلًا: يمتزجُ صوت العصافيرِ بدلالِها، تستيقظُ مبكرًا كعادتها لتغازلَ شاربي ولحيتي القصيرة، وأنا على إثرها أُقبِلها وأضمُها إلى قلبي غيرَ آبهٍ بالساعةِ ولا بالزمن، لتستيقظَ أمها ساحبةً إياها مني وقد أهلكني وإياها النوم، فتهتزُ صارخةً بلفظة "ببا" التي لا تُجيدُ إلاها لتسكُنَ أضلعِي إلى حينِ أصحو. تحكي فتقول: رعشةٌ خفيفةٌ مست جسدي، التقطَ بيمناهُ يسراي وسارَ بي إلى البرِ الآخر، لم ينبس ببضع كلمة وذهب، تراقصت عيناي فرحًا، تبعته عيناي في عجلة، أن قِفْ أو أقبِل أو انتظرني، فقط لا تبتعد إن كُنت محبوبتك، بنت سنتين وعشر سنواتٍ أحبت ابن جيرانِها، رآها متصلبةً تخشى العبُورَ فشدَ على يديها ومرَّا ثم اختفى!        

ظللتُ اتلفتُ في نهم، الكونُ صامت رغم جلبته، وأنا على حالي من العُجبِ والعَجب، لم يسبِق لي رؤيةُ بحرٍ أو مغادرة سكني إلى في محيطُ حيّنا -على ما أذكر-، لامست قدماي رمال الشاطئِ فتملكتني خفقات هينة، ساقني أبي رُغم ضآلة جسمي إلى عرضِه، كأنما شُق البحرُ شقًا ليبتلعني، أنا الآن جزءٌ منه، وبعضٌ من زرقتهِ وحلاوته، هي أولُ مرة، وأحلى من أحلى مرة غُصت بجسدي فيه.

يعجبني أستاذي أسعد طه في سردِه لعمره، فكلُ لحظاتِ عمره فارقة، هُجِرَ من السويس، ذكرَ أنهُ كان يصافِحُ مدينتهُ بعينه، ثم انتَقل ليعمل في الجزيرةِ لاحقًا عاشَ عمرًا في البوسنة، روى مشاهِدَ الحربَ وويلاته، عاش مآسي الشعبَ رغُم هويته الصُحفية، ألتقى الزعيم بيجوفيتش ونقل عنه، جالس تشافيز وأخذ منه شهاداته وحديثه، أحبُ كُلَ ما حكاهُ في يُحكى أن، ذا لأن عُمرهُ أكثر من مائة روايةٍ وقصة، مادةٌ رائعة يقصُها أو يحكيها، فترى الأعينَ في انجذابٍ لكلمِه، أو ترقُبَ حالهُ ومحياه، باركَ الله في عُمرِ الرجُل، عاشَ عمرًا بألفِ عمر، لم يألف عملًا مكتبيًا ولم يرتضي القعودَ في بلد، حياتهُ تتلخصُ في حياةٍ فارقة.

     أحِبُ رضوى عاشورَ لسيرتِها، أشعُرُ في كلماتِها دائمًا بدفءٍ عظيم، أخالُ وكأنني بين يديها، تحدثني فتقول في فترةِ علاجها أي بُني "حاولتُ أن أبحثَ عن الكِتابةِ، أستعيدها برفق. أحايلها وأستميلها، ولكنها واصلت الفِرار"، في هذهِ الكِلماتِ ما يجعَلني أقول كانَت تلك رضوى، فمن أنتَ يا هذا حتى تنفكَ عُقدُ الكِتابةِ لديك في أول جلسة، ودونَ شدٍ وجذبٍ بين وبين القلم وشحذٍ للهمةِ ومواصلةٍ في المجاهدةِ والسعي. حينُ أمرُ في رواياتِها وكلماتِها، يأسِرني الحنين، وتداعِبنُي الكِلماتُ، فأنثني وأغارُ، ثُمَ أحزَنُ لأنَ رضوى لم تعُد هُنا، ولن تعُد على كلِ حال، أناجيها قائلًا "عودي يا ضحكتها عودي" فيظهَرُ لي شبحُها نورًا ساطِعًا كأنهَا تجيبُني أي بُني، لم يَعُد المَقامُ يتسِعُ ولم يعُد الزمانُ يبتسمُ، عاشت عمرًا استثنائيًا ودهرًا خاصًا فكان لها بكُلِ ما كتبتهُ وعاشته عمرًا فارقًا.

لذلِكَ فإن عليك أن تتعلَّم! لا أقصد مزاولة الدراسة، ومصاحبة الكتب، لكن تعلّم كيف تعش، كيف تنطِق بالحُبِ أو تخفيه، كيفَ تريد أو ترفض، كيف تقول أو تخفي، كيفَ تخرجُ فائزًا من عمليةٍ حسابيةٍ طرفاها سالب، كيفَ تصنع دهرَكَ بيدِكَ أو عمرَكَ لأجلِكَ وأجلِ أمتِكَ، اخلع عنكَ جُل ما ترتدي، جميعَ ما حسبتهُ جزءًا منك ولم يكن، اللهم إن كان اسمَك، وكان الرداءُ أنت! تعلَّم كيفَ تُرَوِّض نفسك على الزهد، وكيف تكافئها لمعروفٍ صنعته، تعلَّم أن تحلُم، ليسَ أحلامَ المنام، ولا أمنياتِ اليقظة، بل اعتد أن إذا اخترت حُلمًا أن تقطع البحرَ واليابسَ طلبًا لهُ، وبحثًا عنه.

       انزع عنكَ كل حياةٍ لا تعشها، وكُلَ حُلمٍ لا تُريده، ثُر على نفسَك وانقلب، وقاربها وجافيها، واحبب روحَك وامقتها، عودها على الجَلدِ فداءَ ما تُحب، اغمض عنها كل قبيحٍ وارثِ لها كل جميل، اخلع جميع ما حسبته جزءًا منك ولم يكن، اللهم إن كان اسمُك وكان الرداء أنت، اجعلَ عُمرَك حياةً استثنائيةً، اجعلهُ لحظات فارقة!