من هم عباد الله الصالحون؟

الخميس 05 أكتوبر 2017 07:47 م بتوقيت القدس المحتلة

من هم عباد الله الصالحون؟

بقلم: أحمد أبو رتيمة

سأل سائل: لماذا ينصر الله "الكافرين" ويخذل "المسلمين"؟

تذكرت وأنا أسمع هذا السؤال الآية القرآنية: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ".

لكن من هم عباد الله الصالحون؟

إن أقواماً من غير المسلمين يقيمون في بلادهم نظام الحكم الرشيد ويحسنون استثمار موارد الأرض في صناعة ما ينفع الناس، ويحافظون على نظافة الطرقات ويشيدون العمران وينشئون في بلادهم جنات وحدائق ذات بهجة، ويقيمون دولة الضمانات الاجتماعية، ويؤخذ فيهم الحق من القوي فيرد إلى الضعيف، وينفقون أموالهم في البحث العلمي والاكتشافات ويقدرون العمل والإنتاج، وإذا عمل أحدهم عملاً فإنه يتقنه، فهل ذلك فعل الصالحين أم فعل الفاسدين؟ 

وإن أقواماً من المسلمين يحكمون بالاستبداد ويطوفون فوق بحار من النفط دون أن يحسنوا استثماره، ويلوثون الشواطئ ويلقون الأذى في الطريق ويقطعون الأشجار ويخربون العمران، ويغشون في الطعام والدواء، ويسرقون آثار بلادهم، و يبعدون ذوي الكفاءات ويقربون المعارف، وتستأثر فئة قليلة منهم بالخيرات والثروات بينما يقاسي الأكثرون حياة البؤس والقهر الاجتماعي، ولا ينصف الضعيف فيهم من القوي، و يزهدون في العلم والعمل ويؤثرون الكسل والخمول، فهل هذا فعل الصالحين أم فعل الفاسدين؟

في لغتنا الدارجة نقول "إصلاح السيارة" بمعنى إعادة تأهيلها لتكون قادرةً على أداء وظيفتها، وفي القرآن: "دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً.. أي لئن أعطيتنا ولداً سوياً غير معاق، فالصلاح هو القدرة على أداء الوظيفة، وإذا أردنا أن نقيس صلاح الإنسان أو فساده فلننظر إلى الوظيفة المقررة له في الحياة.

الإنسان هو خليفة الله في الأرض استعمره فيها، لذلك فإن صلاح الإنسان يؤشر عليه بفاعلية أداء دوره في عمارة الأرض وإصلاحها، ولو كانت وظيفة الإنسان أن يعبد الله وحسب، بالمفهوم الرهباني للعبادة، لانتفى مبرر استخلافه، إذ إن الملائكة كانت تسبح بحمد الله وتقدس له، لكن ميزة آدم التي استحق الاستخلاف بها ونال مكرمة سجود الملائكة له هو أن الله علمه الأسماء كلها، وتعليم الأسماء يعني منح الإنسان أدوات التمكين والسلطان، وسخر له ما في السماوات والأرض جميعاً، وفي ضوء هذه الرؤية القرآنية ينبغي أن نعيد تعريف الإنسان الصالح والإنسان الفاسد.

إن التصور الرهباني للدين يعطي الصلاح معنىً يقترب به من الموقف السلبي تجاه الحياة، فالصالح في مخيلتنا هو الزاهد في الدنيا كثير الصوم والصلاة والصدقات وحسن الأخلاق في التعامل مع الناس، وهي رؤية ليست خاطئةً كلياً ولكنها قاصرة، لأن التصور القرآني يفرد مساحةً مهمةً للقوة والفاعلية والإيجابية في الحياة.

كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله كل صباح ومساء من الكفر والفقر ومن العجز والكسل ومن غلبة الدين وقهر الرجال، وقد جاء في الأحاديث أن الله تعالى يحب المؤمن الكيس الفطن والمؤمن المحترف ويكره الرجل البطال، وهذا يوسع مفهوم المعصية الدينية فهي لا تقتصر على السرقة والكذب مثلاً بل إن الكسل والضعف معاص يؤثم صاحبها.

يقول القرآن في سورة النحل: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ على شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلَاهُ أَيْنَمَا توَجِّهّهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ".

هذه الآية تذم الرجل الأول لأنه "لا يقدر على شيء"، "وهو كل على مولاه"، "أينما توجهه لا يأت بخير" أي إنه كسول ضعيف غير منتج، وهذا يعني أن المؤمن المنشود قرآنياً ليس الضعيف الزاهد في الحياة بل القوي المنتج الذي ينفع الناس ولا يعيش كَلاً عليهم.

في قصة ذي القرنين يظهر مثال الرجل الصالح ذي القوة والسلطان، وقد آتاه الله من كل شيء سبباً، فأحسن استثمار قوته في حكم الشعوب بالعدل ومحاربة الإفساد و إعانة الضعفاء كما فعل ببناء السد الحابس ليأجوج ومأجوج المفسدين في الأرض، وفي نفس القصة يظهر مثل القوم الضعفاء العاجزين الذين يمتلكون ثروات طبيعيةً لكنهم لا يحسنون تصنيعها والانتفاع منها في شيء، فيعرضون على ذي القرنين أن يعطوه من هذه الثروات مقابل حمايتهم من يأجوج ومأجوج، لكن ذا القرنين يستنهض قوتهم ويحرض فيهم العمل والإنتاج: "فأعينوني بقوة". وبالتأكيد فإن المثال الذي يزكيه القرآن هو ذو القرنين القوي العادل وليس أولئك الكسالى الذين لا ينتجون شيئاً ولا يقدرون على شيء.

إذاً فالصلاح مركب يمزج بين الأخلاق والقوة، بين البعد الروحي والبعد المادي، بما يحقق وظيفة الإنسان على الأرض، لذلك أثنى الله تعالى على أولي الأيدي والأبصار، وقدم لنا أمثلةً لرجال صالحين فاعلين، مثل داود الذي ألان الله له الحديد، وسليمان الذي آتاه الملك، وذي القرنين الذي أوتي من كل شيء سبباً، ويوسف الذي أعطي خزائن الأرض، فالقدرة المادية ضرورة لتحقيق غاية الإنسان من الاستخلاف، والعاجز الضعيف بعيد عن مراد الله، لذلك فإن الصلاح لا يعرف بالزهد في الحياة، بل يجب توفر الصلاح الوظيفي للإنسان وهو قدرته الفاعلة  على امتلاك أدوات القوة لصناعة الحياة واستثمار الموارد وإقامة القسط في الأرض.

ربما لا توجد اليوم أمة نموذجية تستحق لقب "عباد الله الصالحين" خالصاً من دون الناس، لكن يمكننا التفريق بين "أفعال صالحة" وأخرى فاسدة فنقترب من تفكيك معضلة "لماذا ينصر الله أمماً غير مسلمة ويخذل المسلمين؟".

إن من ينصرهم الله فإنما ينصرهم بأفعال صالحة فيهم، والفعل الصالح هو الذي ينفع الناس: "وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"، فالاهتمام بالبحث العلمي فعل صالح لأنه يكشف سنن الله ويعين الناس في تسخير السماوات والأرض لهم، والاهتمام بالآثار فعل صالح لأنه سير في الأرض لمعرفة كيف بدأ الخلق، والاهتمام بالزراعة والأشجار فعل صالح لأنه يعطينا الأوكسجين والغذاء والجمال، والاقتصاد في استهلاك الموارد فعل صالح لأن الله لا يحب المسرفين، وسن القوانين لتجريم صيد الأسماك الصغيرة هو فعل صالح لأنه يحمي الثروات الطبيعية، وتقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء هو فعل صالح لأنه ينشط عجلة الاقتصاد كيلا يكون المال دولةً بين الأغنياء منكم، وسيادة القانون فعل صالح لأنه ينصف الضعفاء و يضرب على أيدي الباغين.

يقول شمعون بيريز أحد مؤسسي دولة الاحتلال مجيباً على سؤال كيف قامت إسرائيل: "لقد بنينا مجتمعنا بأيدينا، وبنينا المدن المتطورة وطورنا أفضل زراعة في العالم، لا تستطيع أن تفهم إسرائيل دون هذه الأشكال".

ربما يكون هذا الرأي ثقيل الوقع على نفوسنا، لكنه محق في أننا لن نستطيع أن نفهم إسرائيل دون هذه الجوانب، إذ إن الله لا ينصر أحداً إلا بأفعال صالحة يفعلها، بالمعنى الوظيفي لكلمة الصلاح، وافتراض أن إسرائيل قامت وتمكنت من لا شيء هو افتراض مناقض لقانون الحياة، فإذا فعلنا ذات الأفعال المادية الصالحة ثم أضفنا عليها صلاحاً روحياً وصلاحاً أخلاقياً كوننا أصحاب الحق وكونهم الباغين علينا، فسينصرنا الله: "كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً".

في الأسبوع الماضي كنت أقرأ في كتاب معالم تاريخ الإنسانية وأرى كيف يطوف علماء الآثار قارات العالم بحثاً عن جمجمة أو فك إنسان، وكيف يفرحون فرحاً عظيماً كلما اكتشفوا أثراً يقودهم إلى خطى الإنسان القديم ويخضعونه لكل جوانب الفحص والاختبار أملاً منهم في استنطاق أسرار التاريخ، وفي ذات الأسبوع قدر لي أن أسمع مسؤولاً في بلادي يصف الآثار أنها "مجموعة من الأواني الفخارية"، وأن أسمع في بلاد عربية أخرى عن سرقة الآثار، فأدركت جانباً من حكمة الله في ظهور الأمم الأخرى علينا.

إن الأحق بأداء دور الاستخلاف في الأرض هو بلا شك من يعرف قيمة كنوز الأرض ويصونها، إن الأحق بالاستخلاف هو من يعمل بسنة ذي القرنين، وليس من يعمل بسنة يأجوج ومأجوج.