لماذا كف ترمب عن التغريد ضد "الإرهاب الإسلامي"؟

الأربعاء 04 أكتوبر 2017 11:15 م بتوقيت القدس المحتلة

لماذا كف ترمب عن التغريد ضد "الإرهاب الإسلامي"؟

بقلم الكاتب المغربي: علي أنوزلا

فجأة كف الرئيس الأميركي عن التغريد ضد ما كان يصفه بـ "الإرهاب الإسلامي"، ابتلع الرجل لسانه وأصبح رئيس أكبر قوة عسكرية ومخابراتية في العالم يقول للصحافة "لا أدري"! ترمب الذي كان يسارع، حتى وهو بعيد آلاف الكيلومترات، إلى إلصاق أعمال إرهابية مدانة حدثت في ألمانيا وفرنسا بـ "الإرهاب الإسلامي"، بل وذهب ذات مرة إلى حد اختلاق أعمال إرهابية في السويد لتحميل الدين الإسلامي مسؤوليتها، يجد اليوم نفسه في موقف حرج لا يحسد عليه بعد أن ضرب الإرهاب لاس فيغاس الأميركية وقتل مواطنين أميركيين على يد إرهابي أميركي.

ومنذ وقوع مجزرة لاس فيغاس ولا حديث في الإعلام الأميركي والغربي إلا عن الدوافع التي جعلت متقاعدا ثريا أميركيا يُقدم على ارتكاب هذه المجزرة البشعة، وهناك في أميركا والغرب عموما من يتمنى اليوم أن يعثر المحققون الأميركيون على أي شيء يثبت علاقة هذا المجرم بالإسلام أو المسلمين. ومنذ الآن بدأت بعض النظريات التي تربط هذا العمل الإجرامي المدان بصحة منفذه وظروفه النفسية، واستبق الرئيس الأميركي نتائج التحقيق ليقول إنه "كان شخصا مريض جدا جدا.."، وليؤكد مرة أخرى: "كان رجلا مريضا.. رجلا مختلا.. مجنونا.. أعتقد أنه (كان يعاني) من مشكلات كثيرة"! فجأة تحول الرئيس الأميركي إلى طبيب نفسي، وكف عن إرسال التهم على عواهنها كما تعود أن يفعل لإلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين.

اليوم يجد ترمب وفريقه أنفسهم أمام موقف حرج حول طريقة تعاطيهم المزدوجة مع أعمال إرهابية مدانة في كل الحالات وكيفما كانت دوافعها المرضية

لقد دأب ترمب، منذ حملته الانتخابية، على التحذير من المخاطر التي يشكلها "الإرهاب الإسلامي"، ولم يكن يفوت الفرصة في كل مناسبة لإلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام، وهو الذي أدخل أول مرة مصطلح "الإرهاب الإسلامي" إلى القاموس الرسمي الأميركي عندما استعمل هذه العبارة أكثر من مرة في خطبه الرسمية أثناء حفل تنصيبه وفي أول خطاب له أمام الكونغرس الأميركي، ونقلها عنه مؤخرا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عندما استعمل نفس العبارة في خطاب رسمي يرسم فيه خارطة الطريق لسياسته الخارجية مستقبلا.

اليوم يجد ترمب وفريقه أنفسهم أمام موقف حرج حول طريقة تعاطيهم المزدوجة مع أعمال إرهابية مدانة في كل الحالات وكيفما كانت دوافعها المرضية، لأن الإرهابي في نهاية المطاف هو قاتل مدان، سواء كان مريضا أو مجنونا أو عاقلا. هذه الجريمة البشعة التي شهدتها لاس فيغاس يجب أن تعيد النقاش من جديد حول تعريف الإرهاب والإرهابي لفهم الظاهرة الإرهابية التي ظلت مستعصية عن كل فهم أو تعريف. فلا يكفي القول إن العمل الإرهابي هو الذي يستهدف المدنيين لتحقيق غايات سياسية أو تحركه أهداف أيديولوجية، هذا التعريف "النمطي" أصبح متجاوزا مع وجود حالات من الإرهاب يصعب تصنيفها ضمن هذه الخانة، ومنها حالة مجرم لاس فيغاس.

فما حدث في لاس فيغاس وقبله في أورلاندو، وقبل ذلك في بروكسيل وباريس ولندن وبرلين وهانوفر، وفي بغداد وكراتشي وإسطنبول، كلها أعمال إجرامية إرهابية مدانة، ولا يجب أن ننتظر حتى تتبناها منظمات إرهابية أو يدّعي منفذوها بأنهم قاموا بها تحت تأثير أيديولوجية معينة أو خدمة لأهداف سياسية محددة، أو الانتظار حتى يعثر المحققون على ما يثبت إلصاقها بدين أو أيديولوجية معينة لإدانتها بوصفها "أعمالا إرهابية".

وكما حصل مع مجزرة لاس فيغاس التي سارع تنظيم "داعش" إلى تبنيها حتى قبل أن يبرد دم ضحاياها، تبين لاحقا أن هذا التنظيم الإرهابي المهزوم على كل المستويات يبحث فقط عما يرفع معنويات أنصاره المنكسرة بعد الهزائم المتلاحقة التي نالت من دولته المزعومة، فهذا التنظيم المجرم أصبح فاقدا لكل مصداقية، وقد تعوّد على تبني كل الأعمال الإرهابية التي تنسب له وحتى تلك التي لا تنسب له. فسيكولوجية المجرم الإرهابي هي نفسها، ولا يجب تضييع الوقت في فهم دوافع أفعالها لإدانتها، لأن في ذلك نوعا من التبرير المبطن كما يحصل اليوم مع مجرم لاس فيغاس.

إننا أمام ظواهر مرضية قديمة وُجدت في جميع المجتمعات، ولا يمكن إيجاد حلول لها بين عشية وضحاها، كما لا يمكن التعامل معها فقط بالمقاربات الأمنية

ألم تكشف لنا التحقيقات في حادثة القتل الجماعي في نيس أن منفذه كان يعاني الكثير من الأمراض النفسية والعقلية والجنسية، ونفس الشيء قيل عن قاتل النائبة العمالية البريطانية جو كوكس، وقبل ذلك تحدثت عدة تقارير عن أمراض عقلية كان يعاني منها منفذو اعتداءات باريس وبروكسل وأورلاندو ودالاس. وأغلب هذه الأحداث البشعة تم تصنيفها "إرهابية" باستثناء حادث مقتل النائبة البريطانية الذي صُنّف بأنه عمل إجرامي ارتكبه مختل عقليا. إن تصنيف أفعال بعض الحمقى والمجانين بأنها "إرهابية" هو أكبر هدية لهم وللتنظيمات الإرهابية التي تسارع إلى تبني أفعالهم.

لقد حان الوقت لإعادة النظر في تحديد مفهوم دقيق للإرهاب وللعمل الإرهابي، وأيضا إلى ضرورة الاستعانة بعلم النفس قبل العلوم السياسية لتحليل بعض الظواهر الإجرامية. إن الأمر يتعلق بسلوك بشري معقد يصعب تفسيره أو تحليله وإدراك دوافعه وأهدافه، والتسرع من طرف قادة سياسيين إلى إلصاقه بدين أو بشعب هو جريمة أخرى لا تقل عن الفعل الإجرامي الأصلي.

إننا أمام ظواهر مرضية قديمة وُجدت في جميع المجتمعات، ولا يمكن إيجاد حلول لها بين عشية وضحاها، كما لا يمكن التعامل معها فقط بالمقاربات الأمنية التي أثبتت حتى الآن فشلها في التصدي لها. وتصنيف هذه الظواهر ضمن خانة "الإرهاب" ليس هو الحل الملائم لمواجهتها، إنها أفعال شنيعة رهيبة تجب إدانتها، لكن ليس دائما مَن يرتكبونها أصحاب أهداف ومطالب سياسية، إنهم مجموعة من المختلين عقليا حتى وإن ادّعوا انتماءهم إلى تنظيمات إرهابية أو تبنت هذه التنظيمات أفعالهم الإجرامية.