"بيع الوهم" وفي رواية "التنمية البشرية"!

الثلاثاء 03 أكتوبر 2017 05:03 م بتوقيت القدس المحتلة

"بيع الوهم" وفي رواية "التنمية البشرية"!

حنان اليوسفي

الحق إنني سيئة الرأي في الموجة الكاسحة لما يُسمى "تطوير الذات" أو تنميتها، قديما قرأتُ بعضا من تلك الكتب وغالبا لا أكملها، لأنني وجدتها تكررُ ذات الأفكار لكن بصيغٍ مختلفة، ومبتكرة أحيانا، أي أنه إبداع في اجترار المعهود التقليدي، فيظنُ القارئ أن ثمّة جديدا ولا جديد البتة. وهي غالبا مفرطة في وسيليَّتِها، أي أنها حديث لا يتعب من ارتجاع الكلام في "الوسائل والأساليب والطرق"، ولا تتجاوز ذلك إلى البحث عن مفهوم التنمية والتطوير ذاته الذي أرى أنه قابل -وبشدة- لإعادة التعريف، ومعاييره نسبية أيضا، وبما أن غالب تلك المؤلفات مأخوذة عن غربيين فإنها تنحو منحى نفعيا ضيقا، كما أنها تركّز -غالبا- على "الكم"، وإن تحدثت عن "الكيف" فهو كيفٌ في سبيل الكم.. فكم هي مملة بالنسبة لي، حتى إني لأصدُّ عنها إن مررتُ بها مكدسة على رفوف المكتبات، وأرها تتكاثر كالفِطْر، وتتمددُ في فراغنا بشكل رهيب، وأتمنى لو تفرّغَ لها باحث رصين.

 ومن يُبتلى بها تراه وهو يتطور، لكن في سبيل الإحسان في "الكلام عن التطور"! ويتقدم وينجزُ فقط ليتحدث عن "التقدم والإنجاز"! ويحضر الدورات التدريبية في تطوير الذات لينخرط في النهاية -إذا أسرف في النجاح- في التدريب نفسه، فيصيرُ "مدرِبا محترفا" يكرر النشاط نفسه، في المجال نفسه، وبالكلام نفسه أيضا، ويعيد عملية "بيع الوهم"، أي أن تلك النشاطات لا تعدو الحلقة المفرغة: تطوير الذات لتطوير الذات، بحيث تتضخّمُ الوسيلة لتصير غاية بحد ذاتها، وتتحولُ المحطة لتكون كلَ الطريق، وهذا ما ينطبقُ -مثلا- على من يكثرون -وبشكل مبالغٍ فيه- القراءة في القراءة، فتراهم لا يكفون عن القراءة في الكتب التي تتحدث عن فنون وأساليب القراءة، لا أقصد مناهج القراءة في النقد الأدبي، فذاك مجال آخر، إنما أقصد ببساطة: فن القراءة كوسيلة لتلقّي المعرفة، وأؤكدُ على أن القراءة الجيدة كثيرا ما تُكتسبُ بالممارسة والارتياض العملي، أي بخوض التجربة القرائية فعليا، لا أن ننشغلَ بالقراءة عن القراءة بالإكثار من القراءة في كيفية القراءة!

بمنزلة المُسكّن لمرض معضل هكذا أرى التنمية البشرية، فبمجرد أن يسري فيك مفعولها تشعر بخدر عميم يتنازعك، إحساس بالقوة يضعك في اندفاع لدى نقطة لا تناسبك، تظن من فورك أن بمقدورك الركض والقفز وانتزاع حلمك، حتى إذا ما شرعت في هذا اصطدمت بواقع صلد متجذر لم تراع تفاصيله تلك الخطط والمبادرات.

 على طول حياتي أنظر إلى أمي تلك السيدة البسيطة التي واجهت العالم كله من أجلنا، دون خطط ودون محاضرات لتطوير الذات شقت طريقها أو بالأحرى طريقنا، فهي يوما لم ترغب لنفسها في شيء وإنما كان على الدوام نصب عينيها أن تصلنا بما فيه نفعنا، وحيدة واجهت صروف الكدر واستطاعت في الأخير أن تعبر بنا إلى برّ العمل الجاد، أنظر إليها وأقول: أهدافنا السامية وحدها يمكن أن تصنع الفارق.

أؤمن أن الأهداف العظيمة المختلجة في صدورنا يمكنها أن تصنع لنا الكثير، نحن وحدنا من نملك زمام التطوير، في قلوبنا ينابيع الطاقة تنتظر أن نتلمسها لتتفجر أملا وفرحة وتقدما إلى الأمام، فلا تدمن شراء الأمل والطاقة من غيرك وينابيعك الكامنة تنتظر أن تتلمسها فقط لتتحرر، لا تجعل أمرك رهنا لأحدهم يجود عليك بالفضل والمنة ولا رهن الحظ طالما أنك تستطيع. ففكرةُ "الحظ" وهم كبير، فالحظوةُ الحقيقية ليست في الأشياء كلها، بل هي في الرضى الذي يشعُ في النفس فيملؤها طمأنينة، وهو شعور مجرد، فلا رضى تام إلا في الجنة، أما ما سواه فحسرات تعقبها حسرات، وإذا تأمل الإنسان فيها أصابه ما يشبه "الزهد القهري" منها فيرتاح، لا لأنه نال وكسب، بل لأنه علمَ أن المكاسب أوهام، وسراب يحمل البشر على الركض في مناكب الحياة فتعمرُ بهم ثم يزولون ويعقبهم آخرون يخدعهم نفس السراب ليعمروا الأرض مرة أخرى.. وهكذا، لعلّه "الوهم الحقيقي" الذي به تدور دوّامة الحياة.

 لكل منا فرديته واختلافه، لكل منا معطياته الصغيرة التي تفترق به عن غيره مسافات ومسافات، ومن هنا الثغرة الكبرى لبرامج تطوير الذات، إنها تتعامل مع جميع الناس باعتبارهم نسخا متطابقة تقبل نفس العلاج، على حين أدق التفاصيل في حياة أحدهم يمكن أن تؤشر على علاج مغاير تماما لما يمكن أن يكون عليه علاج كثيرين، إننا لا نحتاج إلى غرباء ليحرروا الطاقات، إننا نحتاج إلى أنفسنا قبل كل شيء، نحتاج أن نتعرف حقيقتنا وماهيتنا لنباشر بعدئذ طريقنا ونحن في أوج حالاتنا معرفة وإدراكا، فأن تكون خطوة على طريق لا تدري إلى أين سينتهي بك خير لك من أن تكون حجرا حقيرا مُلقى عليه لتمتص لعناتِ المتعثرين الواهمين فقط، وقد صدق من قال:

مُنًى إن تكن حقا تكن أطيب المُنى .. وإلا، فقد عشنا بها زمنا رغدا

ربما كانت الأمنيةُ وهما عييّا، لكنها أكثرُ نفعا وجدوى من كلِّ الحقائق الفصيحة!