كيف استفادت "إسرائيل" من الثورة السورية؟

الأربعاء 13 سبتمبر 2017 10:25 ص بتوقيت القدس المحتلة

كيف استفادت "إسرائيل" من الثورة السورية؟

غزة – وسام البردويل

اقتناص الفرص والبحث عن المقاعد لفرض الذات وابدال جبهات الخطر إلى مناطق داعمة أو على الأقل تحييد الخطر، ما انتهجته الحكومة الاسرائيلية من خلال محطات عدة كان أبرزها الثورة السورية واستغلالها في فرض نفسها على الساحة السورية في ظل التدخلات الخارجية بمختلف المصالح.

ومع انخراط الجيش السوري في قمع الثورة، حتَّى استُنزف بشكلٍ شبه كامل في حربٍ داخلية مع فصائل المعارضة، حتى خرج بشار الأسد نفسه ليعترف بأن جيشه قد فقد نصف قدراته في الدفاع الجوي جراء ضربات المسلحين، بالإضافة إلى ما ترتبت عليه "صفقة الكيماوي" من حرمان الجيش السوري من مخزونه من الأسلحة الكيماوية، وهو السلاح الذي كان يؤرق القادة الإسرائيليين بشدة خلال أي حرب مستقبلية.

من هنا، كانت الاستفادة الإسرائيلية من الحرب السورية مثمرة  للغاية، كما وصف تحليل مطول على صحيفة هآرتس بات الجيش العربي السوري فاقدًا للأهلية وهو اليوم في أضعف أحواله على الإطلاق منذ تأسيسه، وهو الأمر الذي قد يتيح للجيش  الإسرائيلي إعادة النظر في استراتيجيته أو نفقاته العسكرية  الباهظة، بعد أن زال تقريبًا أحد الأخطار الرئيسية التي كان يعتبر أنها  تهدد وجوده.

وفي ذات السياق، قبيل عام 2011، كان يندر أن يتلقى حزب الله اللبناني ضربة إسرائيلية من غير أن يأتي الرد سريعًا ومكافئًا، فالحزب الذي بني على مقاومة "إسرائيل"، لم يكن ليفوِّت فرصة ليعلن أنه ليس كغيره من الجيوش أو التنظيمات التي تصمُت حال تعرضها للتهديد أو الإهانة، بل إنه قادر على أن يرد الصاع صاعين ويحتفظ مع الإسرائيليين بـمعادلة الردع التي تكفيه شرهم.

لكن يبدو أنّ تلك المعادلة قد تغيرت كثيرًا بعد الحرب السورية، فباستثناء مراتٍ قليلة، أبرزها الرد المحسوب والدقيق للحزب على اغتيال بعض رجاله في القنيطرة أبرزهم نجل القائد العسكري السابق للحزب عماد مغنية، باستثناء ذلك، صارت قوات  حزب الله ومستودعات أسلحته في سوريا هدفا متكررًا للغارات الإسرائيلية، وصار الحزب يصمت أكثر مما يرد، إذ أنه صار منشغلًا بمعركةٍ أكبر مع معارضي الأسد في سوريا، ولا يقوى بالتأكيد على خوض حربين كبريين في آنٍ معًا.

استفادت إسرائيل إذًا من الحرب بمقدار ما خسر الحزب، وبحسب دراسة استقصائية أجرتها صحيفة «النيوزويك» فقد خسر حزب الله بين عامي 2012 و2017 أكثر من ألف من مقاتليه في سوريا، تمّ التعرُّف على 60 منهم على أنهم قادة ميدانيون، هذا فضلا عن آلاف الجرحى والمصابين، والذين لم يعد بإمكان الحزب الاستفادة من خبراتهم القتالية مجددًا.

من جانبه قال الكاتب الأردني عيسى الشعيبي إن الأوضاع السورية القائمة في البلد الذي بات مرتعاً خصباً للتدخلات الخارجية، وتحول إلى مناطق نفوذ موزّعة بين القوى الإقليمية والدولية ذات المصالح المتضاربة، بل وصار ميدان رمايةٍ مثاليا لاختبار صنوف الأسلحة الحديثة، لا سيما وأن إسرائيل هي الدولة الأقل حضوراً، قياساً بسائر جيران سورية، في مجريات هذه الأزمة التي خالفت مآلاتها توقعات كبار القادة والمحللين الإسرائيليين.

وأضاف الشعيبي أن الغارات الاسرائيلية والتي كان أخرها ضرب مفاعل دير الزور، لم تكن على غرار عشرات الغارات السابقة، بل كانت غارة استثنائية من حيث الهدف والتوقيت والرسائل المبثوثة، تهدف إلى نقل "إسرائيل" من دور المراقب للأزمة السورية إلى دور الشريك الفاعل حول مائدة التسوية المرتقبة.

وأعلن وزير الحرب أفيغدور ليبرمان عن تحمل تل أبيب المسؤولية، لأول مرة، إن هذه الغارة وضعت خطاً أحمر لن تسمح إسرائيل بتجاوزه، وهو ما يعني أن الدولة العبرية عمدت إلى تعميق تدخلها في الشؤون السورية.

ويوضح الكاتب الأردني أن تكون هذه الغارة، في مغزاها ومبناها، قد انطوت على احتجاجٍ إسرائيلي مزدوج، كُتب بالحديد والنار، تجاه تجاهل كل من أميركا وروسيا لمطالب تل أبيب المتعلقة أساساً بالوجود الإيراني والمليشيات الملحقة به، خصوصاً في المنطقة اللصيقة بهضبة الجولان ودرعا والسويداء، وفيما بدا هذا الاحتجاج مصوغاً بنبرةٍ سياسيةٍ عاتبة تجاه الحليف الأميركي القديم، بدا متحدّياً ومستفزاً بشدة للحليف الروسي الجديد الذي أحرجه، حتى لا نقول أهانه، اختراق أربع طائرات مقاتلة المنظومة الدفاعية التي تعد فخر التكنولوجيا الحربية الروسية المتطوّرة.

ويتابع الشعيبي " من المرجح أن تتفهم واشنطن حالة الغضب الإسرائيلي هذه، وأن تعمل من خلف أبواب مغلقة على تهدئة روع ربيبتها في المنطقة، بتقديم مزيدٍ من الطائرات الحربية والخدمات الأمنية الحديثة، هذا إن لم تكن أميركا قد أومأت برأسها، وأعطت الضوء الأخضر لهذه الغارة. أما موسكو المهانة بانكشاف عجزها وقلة حيلتها، وهي صاحبة المنظومة التي قيل إنها قادرة على رصد المقاتلات منذ لحظة إقلاعها في أيٍّ من مطارات المنطقة، فإن من غير المحتمل أن تبدي أي تسامح مع مثل هذا الصلف الإسرائيلي الذي وضع دولة كبرى في موضع اختبارٍ لا تحسد عليه أبداً".

ويردف " ومع أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على مدى ما انطوت عليه هذه الغارة من متغيراتٍ تخصّ الرؤية الإسرائيلية الحاسمة، إذا ما جرى تفعيل أدواتها بصورةٍ متزايدةٍ في المستقبل القريب، فإن مجموع الرسائل المحمولة على جناحي هذه الغارة، المترافقة مع أكبر مناورة عسكرية في العقدين الماضيين، تفيد بأن العقل الإسرائيلي الهاجس بالأمن، والأمن أولاً وأخيراً، قد أخذ يميل إلى حمل مخاطر أكبر من ذي قبل إزاء احتمال تورّطه أكثر وأعمق في المسألة السورية، المفتوحة بعد على تطوراتٍ لا يمكن التنبؤ بها من الآن، خصوصاً إن تمخض الصمت الروسي على الإهانة التي لحقت به، وهو في عز إمساكه بمعظم مقاليد المشهد السوري، عن ردة فعلٍ ملموسةٍ ضد العربدة الإسرائيلية".

المصدر : شهاب