عندما يصبح الواقع خلاف ما نتصوره

الأحد 10 سبتمبر 2017 07:37 م بتوقيت القدس المحتلة

عندما يصبح الواقع خلاف ما نتصوره

هـي الأمـورُ كـما شاهدتها دُولٌ *** مَـن سَـرَّهُ زَمـنٌ ساءَتهُ أزمانُ

وهـذه الـدار لا تُـبقي على أحد *** ولا يـدوم عـلى حـالٍ لها شانُ

أبو البقاء الرندي.

لعل أبا البقاء كان يمر بنفس تلك الضغوط النفسية التي نمر بها عندما ألف رائعته التي قدم فيها رثاءً صادقًا للأندلس، جعل هذا الرثاء موكبًا يسير بين الأزمان يندب حال المسلمين وتفريطهم في الأندلس، مثلنا مثل الرندي كانت لنا أحلام وتطلعات تمثل لنا حجر الزاوية الذي ننطلق منه إلى عالم كنا نتصوره أقرب لعالم المُثُل الذي نادى به أفلاطون.

 ولكننا كنا نتبع تلك النظرية الفلسفية التي قامت عليها قواعد نظرية عالم المُثُل الأفلاطونية، أي إننا كنا نضع تصورًا يحاكي ذلك العالم المثالي البحت، كانت أحلامنا بعيدة عن الواقع الذي نعيشه، لم نكن نضع أدنى تصور أننا يمكن أن نُصدم بواقع مرير حتى وإن بدا لنا خلاف ما نتصوره من سوء، على سبيل المثال كان الواحد منا يُخطط عقب تخرجه أن يلقى الوظيفة التي تكفل له إنشاء بيت وأسرة، يعيش في سعادة وتقدم في مجاله الوظيفي.

ولكن للأسف الواقع خلاف ذلك في ظل مجتمع بدائي يحتاج لإعادة تشكيل ونقد لعقل يمكن أن نصفه بأنه عقل رعوي (هذه ليست شتيمة)، حيث التفكير القاصر يمنع من الانطلاق نحو تجربة فريدة تؤسس لمفهوم يساعد على إعلاء شأن الترابط القومي، ويدفع بكل أشكال التفرقة والعنصرية بحيث يكون الدين والعُرف الأخلاقي هو الحاكم حتى نحصل على تعايش سلمي أساسه حقوق المواطنة التي هي من جانبها أساس للحقوق والواجبات، وحتى لا تكون تلك الشعارات التي تدعو للوطنية والمساواة مجرد أصوات تعلو حينًا من الزمان وتخفو أحيانًا أخرى وجب الإسراع في تنفيذ تلك الشعارات على أرض الواقع حتى لا يصير الواقع خلاف ما نتصوره صادمًا لنا ولأحلامنا.

كنا مثاليين في تصورنا للأخلاق التي ننبعث منها، أي إن الأخلاق التي كنا نسعى دائمًا إليها لتكون هي شعارنا ومبادئ تتجسد في أفعالنا أصبحت غير موجودة إلا من رحم ربي ممن يتمسكون بتلك المبادئ السامية وهم قليل، وهذه الفئة هي بدورها متهمة بعدم واقعيتها وجنوحها للمثالية، أو هي بالأحرى تعيش في وهم أو هي سخريةً منها تعيش دورًا غير دورها في ظل عدم الثقة الذي أصاب المجتمعات جميعها، لقد عانينا من مثل هذه الأوصاف التي تهدم الشخص وتترك فيه ذلك الأثر السالب في التعاطي مع الواقع والابتعاد عن الإبداع في شتى صنوفه خوفًا من وصمه بالوهم وعدم الواقعية التي تحدد بعض قاصري النظر.

من أين يأتي الإصلاح؟ كنت وما زلت على قناعة أن الإصلاح يكمن في الإنسان نفسه وإعلاء الجانب الروحاني فيه، والتقليل من المادية الصرفة وضغوط الحياة والرقابة التي تُفرز إنسانًا قلقًا دومًا يسعى لتبرير كل خطأ بخطأ مثله لا يقوده للاعتراف بأنه خاطئ في أن يكون أمينًا مع نفسه قبل أن يكون أمينًا مع مجتمعه، في ظل عدم الثقة بين جميع أفراد المجتمع وظهور الخداع والغش في مؤسسات المجتمع التي بدورها تؤدي لضعف وتفكك المجتمع، وانتشار الفساد والاستبداد المنظم الذي ليس له رادع، فترى المدير في مؤسسته غير أخلاقي وغير أمين على ما استؤمن عليه من مسؤولية، يؤثر على سلامة وأمن المجتمع باتخاذ إجراءات خاطئة من أجل منفعة نفسية وغيره من الأمثلة الكثير.

المصدر : ساسة بوست