إنكار مأساة الروهينجا.. العمق في السطح

الأحد 10 سبتمبر 2017 09:46 ص بتوقيت القدس المحتلة

تتمتع الطبيعة الإنسانية بسمات يبدو عليها التناقض، ولكنها متضافرة، من ذلك الحدود السحيقة التي يمكن للإنسان أن ينحطّ إليها، وفي الوقت نفسه قدرته الهائلة على التأويل. القدرة على التأويل والتبرير وإعادة تصوير الأشياء لا تتناقض مع إمكانيات الانحطاط الكبيرة، بل هذه الإمكانيات تحتاج قدرات التأويل، التي تعيد تصوير الانحطاط نفسه، وتمنحه مظهرًا زائفًا من الرقيّ والاحترام.

من ذلك إنكار مظلومية المظلوم. يمكن القول إن هذه الارتكاسة من أبعد منازل الانحطاط غورًا، فإذا كان مقترف جريمة الظلم نفسه يضطر إلى الإنكار، أو إعادة تصوير جريمته، فأي شيء يضطر من لا يرتبط بأي صلة بالحدث إلى نفي جريمة غيره؟

وإذا كنّا قد خبرنا هذا النوع من الانحطاط في الثورات العربية، وتلاقت أوساط عربية على إنكار وقوع الظلم على ملايين الناس في غير بلد عربيّ، وأمكننا أن نفهم ذلك بالصلات الوشائجية التي تجمع العرب ببعضهم، بمستضعفيهم ومجرميهم، بصالحيهم وفاسديهم، فأي شيء يحمل بعض هؤلاء على إنكار ما يقع من مأساة اليوم لمسلمي الروهيجنا؟!

ثمة نوعان من تأويل الانحطاط لدى بعض العرب الذين أشغلوا أنفسهم، لا بوجع المضطهَدين، ولكن بنفي مأساتهم وإنكار وقوعها.

النوع الأول ينفيها صراحة، ويصوّر شيوع الخبر بمؤامرة جماعات إسلامية عربيّة على ميانمار، بعضهم يقول إنها مؤامرة وهابية، بالرغم من أن دولة "الرعاية الوهابية" الأولى؛ تتبنى صحافتها ونخبها الممنوحة الحظوة والصدارة في هذا الوقت؛ رواية حكومة ميانمار، وتصف مسلمي الروهينجا بالإرهابيين!

وبعض آخر من هذا الفريق يقول إنها مؤامرة إخوانية، بإيعاز بريطاني لتقسيم ميانمار، كما قسّمت بريطانيا، بـ "أداتها الإخوانية" الهند، بفصل باكستان عنها، ثم بفصل بنغلاديش عن باكستان!

النوع الثاني الذي ينكر المأساة، إنما ينكرها بنفي العامل الأهم والأوضح فيها، ونزوعه للبحث عن تفسيرات أكثر ماديّة، عارية من البعد الطائفي، وهذا وإن كان لا يبدو عليه إنكار المأساة ظاهر أمره، فإنّه بإنكار بعض أسبابها وعواملها، والتي قد تكون هي الأهم، يستبطن بذلك إنكارًا للمأساة نفسها، وربما ازدراءً لضحاياها!

القاسم المشترك بين نوعي الانحطاط؛ هو أولاً الافتقار إلى الحساسية الأخلاقية، إذ يبدو النوع الأول وكأنّه مجرد منها تمامًا، ويبدو الثاني وكأن انحيازاته الأخلاقية لا تتأسس على محض الموقف من الظلم، وإنما بحسب الأسباب المادية التي يقوم عليها الظلم، فإن كان الظلم قد قام على أسباب طائفية أو دينية فإنه إمّا أن يتجاهل المأساة بوضوح، لاسيما إن وقعت بالمسلمين، أو أن يتجاهلها بالانشغال بتفسيرات تتجاهل بدورها العوامل الأوضح فيها.

الافتقار المشترك للحساسية الأخلاقية هنا، يشير إلى نزعات ماديّة بين نوعي الانحطاط؛ لا تقيم وزنًا للإنسان من حيث هو إنسان، ومن ثم فيمكنها ببساطة أن تتجاهل مشاعره، أو تتعالى على أفكاره، وفي حالتنا نحن العرب يحصل ذلك لسبب من اثنين، الأول الصراع الذي انغمست فيه قوى يسارية وقومية مع الإسلاميين، فأعادت بدورها تأويل العالم كلّه، حيثما كان هناك مسلمون، بهذا الصراع، فأسقطت أمراضها الناجمة عن صراعها على كل حدث فيه مسلمون.

والثاني، من لديهم عقدة من مجتمعاتها المسلمة، وحالة انبهار ساذج ومطلق، بالمتفوق الغربي، فتتصور أن الاعتبار الديني، أو الطائفي، محض خصوصية لمنطقتنا، أو وهم يسكن عقول أبناء هذه المنطقة، مع أن هذا الفريق نفسه، قد يقدّم تفسيرات دينية وثقافوية، تدين المسلمين، أو تنتصر لطوائف وأقليات تشترك مع المسلمين في الجغرافيا!

القاسم المشترك الثاني بين نوعي الانحطاط هو الجهل بحقائق الأشياء، وهذا القاسم منبثق عن القاسم الأول، فقراءة العالم بالعقد النفسية، لا تتيح رؤية الأشياء كما هي، وإذا أضفنا إلى ذلك الاستعراض المعرفي الصادر بدوره عن نزعات التعالي إن على الخصوم الإسلاميين، أو على المجتمعات المسلمة، والذي يروم البحث عن أسباب تبتعد عن الظاهر والواضح، فإنه بالضرورة سيتكلف تفسيرات حمقاء تبدو له غاية في العمق، بينما العمق الحقيقي في السطح، أي في الظاهر لأي معاين!

ظاهر الأمر يقول إن هذه البلاد -أي ميانمار- ومنذ استقلالها عن بريطانيا متخمة بالصراعات الطائفية والعرقية، والتي لم تكن أقلية الروهينجا وحدها التي تعانيها، فهناك عدد كبير من العرقيات والطوائف التي تعرضت لاضطهاد منظم من الجيش، ومن عرقية "البامار" التي تُعدّ أكبر أعراق هذا البلد، وبعض هذه العرقيات امتلكت قوى مسلحة تقاتل بها الجيش، فالأصل في هذا البلد هو الصراع الطائفي والعرقي، بصرف النظر عن الأسباب الاقتصادية والسياسية التي ليست أكثر من أسباب طارئة على المشهد، دون إنكار دورها.

ومسلمو الروهينجا، جُرّدت منهم جنسيتهم منذ العام 1982، أي قبل أي استثمارات صينية في منطقة أركان التي يعيشون فيها، بمعنى أن معاناة المسلمين الروهينجا قديمة جدًّا.

وإذا كانت تلك المعاناة صورة من مشهد الصراع العرقي والطائفي في هذا البلد، فقد كانت لهم خصوصية قديمة، إذ أسست الحكومة التعامل معهم على أساس عنصري صرف، بإنكارها أصولهم البورمية، فكانت معاناتهم الأشدّ من بين كل الأعراق والطوائف الأخرى، والتي خاض بعضها صراعًا مسلحًا مع الحكومة.

بالإضافة إلى النوعين السابقين يمكننا أن نضيف نوعًا ثالثًا من الانحطاط، وهو ذلك غير المعني بالمأساة، ومن ثم فهو غير مشغول أساسًا بإنكارها، لكن انحطاطه، في إنكاره على المسلمين مجرد تعاطفهم مع ضحاياها، هذا النوع يعاني من تشوّه مركّب في الوعي والإحساس، إذ إن الطبيعة الإنسانية نفسها تنزع للاهتمام بالشبيه ومنحه الأولوية في تعاطفها.

ولا تخلو حجّة هذا النوع من سذاجة تأويلية بائسة، تقوم على انتفاشة وطنية مصطنعة وزائفة وخرقاء، ترى أن القريب اللصيق، أي المجال الوطني لكل منا، أولى بمشاعرنا من البعيد الذي لا تربطه بنا الوطنية، وكأن التعاطف مع أي مخلوق في الأرض ينتقص من إحساسنا بالمجال الجغرافي الذي نعيش فيه!

يبقى أن نقول، إن ظهور هذه الأنواع التأويلية للانحطاط، بهذه القوّة في سجالات مواقع التواصل الاجتماعي، تكشف عن الوقائع العربية الراهنة، التي تبدو فيها المقولة الإسلامية وكأنّها قد هُزمت تمامًا، فيُراد تصفيتها نهائيًّا، فيوغل البعض في أحقاده الأيديولوجية، ويغول البعض في ازدرائه وتعاليه، ولكن هذه إضافة أخرى من الحمق والجهل، تنم عن جهل هؤلاء بمجتمعاتهم وتاريخها.