رذاذ الموت الصامت

السبت 09 سبتمبر 2017 06:24 م بتوقيت القدس المحتلة

قالها أحدهم : (الفقراء وقود الحروب حيث لا نار لهم ولا رماد)..هم رذاذ الموت الصامت ، وحروف بيضاء تصطف على حمرة الشريط الإخباري ليس إلا..قد يزيد عددهم عن الحروف بكثير ، لكن لا متسع للشريط سوى لجملتين تنبئ بمعاناتهم ولا تحلّها ،تضع قضاياهم بين نجمتين ولا تشعلها ، تترك الشاشة تبتلع أنّاتهم ،كما تبتلع الأرض أجسادهم النحيلة المثقلة بتخاذل المتفرّجين..

حتى الإنسانية باتت مثل العملات ، ما يدعمها من نفط وذهب يعلو سعرها وتتصدر شاشات المداولة ، وإذا ما كانت تستند إلى ظل الفقر البارد ، تهوي كأنها لا شيء ، أنت إنسان إن كنت على أرض تدر للقوى العظمى خيراً ومصالح ،وأنت مجرد فيروس من قبيلة الأمراض يحق لمن يخافك أن يبيدك كيفما يشاء كي لا يصاب بعدوى الحقوق..

مسلمو الروهينجا، لا وطن لهم ولا مواطنة ، لا حقوق لهم ولا أنصار ، لا ماكنات إعلامية تدعمهم، ولا قوى تحفر في آبار المصالح  لتقول للبطش العرقي والطائفي كفى، مسلمو الروهينجا لا منظمات القبعات زرقاء تضمّد أوجاعهم ،ولا مجلس أمن يعقد بشأنهم ، وحدهم  يواجهون الإبادة بالفرار،والموت بصرخات لا تعني محطات التلفزة بترجمتها ،وكأن الدموع بحاجة إلى مترجم..والظلم إلى محام دفاع ، والموت إلى لغة!!..كيف يبحثون عن لغة تنقل الموت..والموت بحدّ ذاته لغة النهاية؟!.

أطفال أغمضوا أعينهم خوفاً من القتل فنسوا الحياة وماتوا ، أمهات كأنصاف التماثيل،  رؤوس مقطوعة محمولة بين الأيادي ،  وأجساد موزعة في مزارع القتل الطائفي.. بيوت تشتعل بسقوف الخشب الهشّ وأكوام القش فتذوب ككتلة ورق، قوارب تحمل الناجين تجدف القلوب بنبضها المتسارع في الممرات المائية ، علها تصل الى جزيرة سلام ، أو يابسة عيش، فلا أوطان تستقبلهم، ولا مياه تحملهم ، ولا غابات ترضاهم كأي كائن حي يريد أن يعيش منفرداً بين الأشجار البرية والأدغال الموحشة

ما أصعب أن تكون بلا وطن ، فلا خارطة تصافح أقدامك ولا راية تلف جسدك اللاجىء، ما أصعب أن تغلق كل الأوطان منافذها في وجهك كإنسان ، ويفتح الكفن ذراعيه إليك كجثة ..ما أصعب ن تكون وحيداً في كل شيء؛ في أوجاعك، في تشريدك، في صيحاتك، في هروبك، في غروبك ،في البحث عن أرض بحجم طولك محدود بوسادتين حجريتين واحدة أسفل قدميك مكتوب عليها تاريخ البداية والثانية فوق رأسك مكتوب عليها تاريخ النهاية ..ما أصعب أن تكون إنسانا في أرض فقيرة..حيث لا يعني بقاؤك أو فناؤك مكيرفونات مجلس الأمن ولا الأمم المتحدة..

وأنا أشاهد صور سكان بورما ،وهم يهربون بملابسهم الملونة الرثة الممزقة المتسّخة من الموت بدموع سخية وصراخ متداخل ، أقول ماذا لو كان هؤلاء ا يقطنون أرضاَ بترولية ؟ أو يجلسون على فوهة غاز..كم دولة عظمى تسابقت لتنقذهم ، لتحميهم، لتراهن على مستقبلهم، لتتذرّع بضرورة انفصالهم ، كم قاعدة عسكرية ستستوطن بلادهم بحجة الحماية وحقوق الإنسان، كم فيتو سيصمد ، وكم تهديد من البيت الأبيض أو الكرملين سيصدر ، لو أن أبناء الروهينجا على منفذ بحري أو مضيق تجاري ، لرست البارجات قربهم ولوضعت حاملات الطائرات أوزارها، وصارت "بورما" الخبر الافتتاحي في النشرات..

لكنهم فقراء..والفقراء لا نار لهم ولا رماد، فهم رذاذ الموت الصامت...ما أبشع إنسانيتنا عندما يتبخّر النفط من تحت أرجل الضعفاء ..ما أبشع الدم عندما يصبح مادة ملونة للأخبار العاجلة..

ما أبشع هذا العالم..