كلمات على مقصلة الحكام

الخميس 07 سبتمبر 2017 10:24 ص بتوقيت القدس المحتلة

يحدث في القرن الواحد والعشرين الميلادي، وفي بلاد حاول ربيعها أن يزيل غشاوة الفصول القاحلة عن عيون المراهنين عليه؛ يحدث أن يمتد سيف الحاكمين بأمر الاستبداد حتى يطال حناجر وأصابع المتحدثين والكتاب والمفكرين، إما ليلوّح بنصله أمام مرآهم ويعيد ترسيم حدودهم، وإما ليقطع دابر الأعضاء التي يترجمون من خلالها أفكارهم، فيجمد الدماء في عروق حناجرهم وأصابعهم، ويورثهم خرساً أو شللاً نصفياً لا فكاك منه.

 ولعل رداءة واقع الكلمة الحرة في عالمنا العربي هذه الأيام تدفع بنا نحو محاولة إدراك عوامل اندثار ذكر وأثر كتاب ومفكرين بعد مفارقتهم الحياة، رغم أنهم كانوا أصحاب بريق في عصرهم، في مقابل آخرين كان الخلود من نصيب أفكارهم وكلماتهم بعد أن حوربت واجتهد أعداؤهم في منعها وإسكاتها وحصار امتداداتها.

 تلقائياً سيشخص مثال سيد قطب، كعلامة دالّة على خلود الأفكار والكلمات رغم الموت، ذلك أن أهم ميزة لكلماته أنها مضادة للاهتراء رغم قدمها، وأنها تظل تجد محبين لتردادها واقتباسها رغم مرور كل تلك العقود على رحيله، لكن خلودها صنعته عدة مواقف للرجل رفض خلالها أن يُساوم على أفكاره أو أن يقايضها بحرية يمنحها له طاغية عصره مقابل بضع كلمات اعتذار واسترحام يوجهها سيّد قطب له، أو تراجع عن جملة أفكار وقناعات تناهض الطواغيت، وظلّ سيّد على موقفه واعتقاده بأنها يجب أن تُبلّغ كاملة، ودون مجاملة أو مواربة، فكان أن تحولت بعض نصوصه إلى دستور للأحرار من بعده، ومنها:

 ليس مطلوباً من كتاب اليوم أن يبذلوا رؤوسهم في سبيل تبليغ كلماتهم وأفكارهم، بل أن يقولوا كلمة الصدق في مكانها، أو على الأقل أن يأبوا ممارسة التضليل وترويج الزيف

"إنه ليست كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركها، وتجمعها، وتدفعها، إنها الكلمات التي تقطر دماء لأنها تقتات قلب إنسان حي. كل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان، أما الكلمات التي ولدت في الأفواه، وقذفت بها الألسنة، ولم تتصل بذلك النبع الإلهي الحي، فقد ولدت ميتة، ولم تدفع بالبشرية شبرا واحدا إلى الإمام".

 وهنا اقترنت الكلمة بالفعل حتى صارتا ينبوع صدق صافياً وأصيلا، ظل مسافراً من زمان إلى آخر، يرتوي منه كل مخاصم للظلم، ومعاند للطغاة. فليس بالكلمات التي تفقد كبرياءها، وتحني رقبتها لقوانين التدجين يتشكل الوعي النوعي لدى أجيال يحاول الجهل الموجّه أن يتناسل داخل تفكيرها، ويتحوصل متخذاً أشكاله الأكثر انحطاطاً في زوايا عقولها.

 وهنا، يلحّ سؤال عن مدى الاحترام المتبقي لدى كاتبٍ ما يحجم عن الكتابة بقرار من السلطة الحاكمة في بلده، ثم يعود للكتابة بقرار آخر، على أن يكون من مقتضيات السماح له بالعودة أن يفتتح عهد كتابته الجديد بتغريدة شُكر لمن منّوا عليه وسمحوا لحروف أفكاره بأن تتنفّس من جديد.

 غير أن تلك المواقف تشير إلى أن الكلمة الجريئة هي في قلب معركة الحريات في العالم العربي اليوم، والحراب التي تتربص بها تتزايد ولا تتناقص، وعدد حملتها يقل مع ازدياد عوامل الترهيب والإخضاع، وقد ارتكس حالها إلى درجة صار فيها كتاب يحتجبون عن الكتابة بقرار من حكوماتهم، بل وحتى عن المشاركة بتغريدات عادية على مواقع التواصل المختلفة، ولم يعد ممكناً فهم كيف يمكن أن تكون الكلمة حرة وأن يكون صاحبها نزيهاً وموضوعياً في آرائه وتصوراته إن كان ملزماً بسقف الحرية التي تتيحها السلطة في بلده، وهو سقف لا تحدده لديها شرائع سماوية، بل شريعة التسلط المفضية إلى تشكّل نزعة جنون تقهر كل من يشكك في أهليتها أو يرى فساد سياستها في قضية ما؟ وأي وعي هذا الذي نرجو أن يبثّه من يلتزم بمحددات الجلادين في التفكير والكتابة؟ بينما رأينا كيف يكون السجن مصير نظراء آخرين له، وجناية بعضهم أنه غرّد بصوت خفيض خارج سرب المقررات التنظيرية التي يراها نظامه.

مواراة الرأي الحقيقي في أية قضية أهون بكثير من تزويق رأي فاسد والترويج لفكرة زائغة نزولاً عند رغبة ولاة أمر لم ينصّبهم شعبهم ولا حتى أهل الرأي حكاماً على شعوبهم

إن الكلمة تستمد قيمتها من حجم المشقة المبذول في سبيل تبليغها، ومعيار صدق صاحبها جرأته في نقد السلطة التي يعيش في ظلها حين تخطئ، فكيف إذا كانت ظالمة وفاسدة؟ وفي الحديث النبوي المعروف: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله).

ليس مطلوباً من كتاب اليوم أن يبذلوا رؤوسهم في سبيل تبليغ كلماتهم وأفكارهم، بل أن يقولوا كلمة الصدق في مكانها، أو على الأقل أن يأبوا ممارسة التضليل وترويج الزيف الذي تأمرهم به حكوماتهم، وأن يختاروا الصمت حين يكون الضغط عليهم والوعيد والتهديد أكبر من قدرتهم على تحديه.

 وقد بات الكاتب يصنع بنفسه وبغيره وبضميره خيراً حين ينحاز للمبادئ بصمته على الأقل، وحين يضحّي قليلاً بنشوة يشكّلها إطراء معجبيه ومتابعيه، وحين يتوقف عن الكلام عندما يكون المتاح فقط أن يُثرثر بما تحدده أجهزة المخابرات والإعلام لنظام بلده، فمواراة الرأي الحقيقي في أية قضية أهون بكثير من تزويق رأي فاسد والترويج لفكرة زائغة نزولاً عند رغبة ولاة أمر لم ينصّبهم شعبهم ولا حتى أهل الرأي حكاماً على شعوبهم، بل لم ينفكوا عن كونهم أدوات لمستعمر خارجي يبشر بقيم الحرية في بلاده، لكنه يحب مشاهدة تجليات قمعها في أخرى، عبر ممارسات حفنة من موظفيه، سلّطهم على رقاب أمتنا، وما فتئ يتحكم بهم.