الترجمة بين تحري الدقة الصادمة وبين إعادة الصياغة

الثلاثاء 05 سبتمبر 2017 06:15 م بتوقيت القدس المحتلة

الترجمة بين تحري الدقة الصادمة وبين إعادة الصياغة

أبرز ما يدفعني للحديث هو المفارقات التي نشاهدها في الوطن العربي في الترجمة، وبين الترجمات التي تمثل إعادة كتابة وتمثل تحويل النص لنص جديد ليلقى الإعجاب، وبين تحري الدقة البالغة والنفور منها بسبب ذلك، وكثيرًا ما يدفعني ذلك للتساؤل، هل علينا أن نصوغ الكتاب بشكل يعجب الناس ويلقى إعجابًا؟ أم ندفعهم لمواجهة النص كما هو بالأصل وما به من عيوب؟

إن تحري الصدق يقوم على تحليل أسلوب الكاتب ودلالة الكلمات واختيار ما يقاربها من حيث القوة أو الضعف والدلالة ولو لها دلالة شعرية يقوم بمثل ذلك.

وهناك العديد من الأشياء التي توضح الكلام السابق وهو كتاب النبي لجبران خليل جبران، فهناك ترجمة أقرب للإنجليزية وأخرى أعظم من الإنجليزية، والناس يتهافتون على الأخيرة (طبعة الجمل والشروق وطبعة مصر وهم مختلفون في جودة النص، وترجمة الجمل أبعد عن أسلوب جبران بعض الشيء، وتقترب نسخة مصر والشروق قليلًا من النص عنهم). ولو نظرنا نجد أن تحري الدقة في الأولى كان الأحق بتهافت الناس عليها، لكن ترجمة المترجم بشكل فاق النص الأصلي أضافت للنص بُعدًا جماليًا آخر غير الذي في النص الأصلي، وأنا أرى أن ذلك غير مقبول لأنني أريد نصًا مترجمًا أي أريد أقرب مستوى للنص الأصلي ولا أريد أي مستوى أقوى أو أضعف، وأرى في ذلك أن المترجم لا يتحرى دقة كل كلمة بل لم يتحرَّ دقة النص وقدم لنا منتجًا آخر غير المنتج الأصلي.

وكثيرًا ما حدثني البعض أن ترجمة لكتب جبران لم ترُق له، فلما جعلته يشاهد الأصل وجدنا أن الترجمة أدق ما يكون، ومن هنا نتطرق لمشكلة أخرى، وهي حينما يمتلئ النص الأصلي بالعديد من العيوب وينقلها المترجم، هل عليه أن يوضح لك أن الكاتب كان أسلوبه مفككًا ومضطربًا وأن يشرح لك كل كلمة في النص الأصلي ويقدم لك نقدًا وافيًا بكل مشاكل النص الأصلي من أول اللغة للعرض والسرد والفكرة نفسها، ويتحول من مترجم لناقد، أم أن يقدم لك المحتوى كما هو وعلينا تقبل أن النص يحتمل وجود عيوب وأشياء عديدة، وأجد البعض لا يعجبه النص والكتاب، فيلقي المشكلة على المترجم، ويلقي مشكلة عدم القدرة على التوحد مع النص على المترجم، ونجد هنا فكرة عدم قبول أن العيوب يحتمل وجودها بالنص، وعلينا تقبل ذلك ولا نلقي دائمًا العبء على المترجم.

ولكي لا أكون متناقضًا فحينما يترجم كاتب من لغة غير اللغة الأصلية أشك في صحة الترجمة وصحة الأسلوب وأن الاضطراب قد ينتج من المترجم، فهو ترجم من لغة بعيدة عن اللغة الأصلية وبعيدة عن ثقافة الكاتب، كأن يترجم لكاتب يكتب باليابانية من اللغة الإنجليزية أو الألمانية، فهي تبتعد عن ثقافة اليابان وشعبتهم اللغوية بشكل كبير وينتج هنا أنه يترجم من مترجم بذل جهدًا ليصل إلى مستوى متقارب من النص الأصلي فنجد نصًا يقارب مستوى نص يقارب مستوى النص الأصلي، فينتج تباعد عن لغة الكاتب وأسلوبه وغيره مما ينتج احتمالًا عظيمًا بأن يكون النص غير مرجحة صحته وأن لو به عيوب للكاتب فسيكون هناك عيوب للمترجم ويلجأ أحيانًا المترجم خاصة لو كان كاتبًا في المقام الأول أن يصوغ بأسلوبه ليبعد عن المشاكل ولا يلحظ العديد من الاضطرابات وهنا نجد أن البعد عن لغة النص الأصلي وثقافة الكاتب ينتج لنا كتابًا مختلفًا جديدًا من صنع المترجمين.

وفي برنامج «عصير الكتب» للكاتب بلال فضل أشار لهذا الموضوع بأن يوجد عمل أدبي قد ترجم من لغتة الأصلية للغة أخرى ومن الأخيرة للأخرى وهكذا حتى وجدت رواية جديدة لا تمت بصلة حتى في الفكرة من النص الأصلي وهذا يوضح خطورة الأمر، فالأولى بالمترجم أن يترجم من اللغة التي يتقنها أدب تلك اللغة وإن ترجم من خارج أهل اللغة فليترجم في حدود الثقافة المشتركة بينهم.

هناك بعض الترجمات لكتاب عرب كتبوا بالفرنسية لقي النص المترجم قبولًا بالإجماع من قبل القراء وهنا أقصد تحديدًا الكاتب «أمين معلوف».

قد أقسمت أن لا أقرأ رواية مترجمة له مرة أخرى لسبب بسيط؛ النص العربي أقوى من النص الأصلي بمراحل، لا يمكن أن تتخيل التباعد بينهم الكبير، النص المترجم يمتلك أسلوبًا ولغة لا يمتلكها أمين، وهذا يشير لنص جديد بالعربية يحمل نفس الأحداث بأسلوب مختلف، وقد حدثت صديقًا جزائريًا يجيد الفرنسية ويقرأ بها عن النصين كي لا أكون ظالمًا وهو الأعلم باللغة الفرسنية عني بالتأكيد قد أكد أن النص الأصلي لا يشبه المترجم، ومزح إن المترجم أخذ لغة العقاد على يوسف زيدان على درويش وضربهم في خلاط لينتج لنا ترجمة لأعمال معلوف، وتلك الترجمة تروق لمن يفتنون بقوة اللغة العربية، لكن ألا يجب أن تكون قوة اللغة متوازية في النصين، فأنا أجد أن النص المترجم صار يمتلك ما يعجب به الناس وما يكرهه الناس في أعمال معلوف غير ما في النص الأصلي، وهذه في نظرنا عدم أمانة في تحري الدقة في الترجمة وهذه خيانة لواجب المترجم نحو عمله ونحو القارئ.

للأسف، نجد بعض المترجمين مضطرين لترجمة بعض الأعمال التي لم يترجمها أحد لأهميتها خاصة في الشعر عن غير لغتها رغم صعوبة الأمر مثل قيام رفعت سلام الشاعر العظيم الذي قدم للمكتبات المصرية العديد من الأعمال الخالدة المترجمة وقدم العديد من أشعاره الرائعة، مثل ترجمته للغجر للشاعر الروسي بوكشين، لعدم وجود ترجمة صادقة لأعماله أو ترجمته لبعض الأعمال الكاملة لبودلير وكفافيس ورامبو ووالت ويتمان، لكن يتجه في الأغلب للغات التي يجيدها ليترجم أشعارها. يقوم رفعت سلام بدور عظيم جدًا في حركة الترجمة في إشرافه على قيام مترجمين بالترجمة من النص الأصلي لأعمال خالدة لم تترجم رغم أهميتها وتحري الدقة في اختيار العناصر والمراجعة، وخير مثال على ذلك سلسلة المائة كتاب التي قدمت ترجمات عظيمة لنصوص عديدة بعضها لم يكن قد ترجم وبعضها كانت ترجمات بعيدة كل البعد عن النص الأصلي، وهنا يجب الإشارة أيضًا لكفاحه مع قصر الثقافة وتعطل حركة النشر للعديد من الترجمات لحصره على أن تعم الفائدة في المكتبات وللقراء، ويعد حرص المثقف والشاعر وتحري الصدق خير دليل على قوله إن في عملي مع المترجمين مثل مترجمين المائة كتاب، يجب علينا أن نترجم ما هو الأقرب لأسلوب الكاتب وننقل النص كما هو كأنك تقرؤه في الأصل، وهنا يختصر كل ما سبق ذكره في حديثنا عن ضرورة تحري الأمانة، ولم نرد أن نعرض العديد من النماذج السيئة والجيدة بل يكفي مثال لكل طرف لنعرض نموذجًا لقوة المترجم ونموذجًا لمترجم آخر يعيد كتابة العمل.