الحياة داخل فقاعة

الثلاثاء 05 سبتمبر 2017 10:44 ص بتوقيت القدس المحتلة

يبحث عن جواب فيجد نفسه عالقاً في فقاعة المسألة. يتحرى في الشبكات فتتعقّبه مضامين متعلقة بها بفعل منحى الربط الموضوعي المتزايد الذي تلجأ إليه تقنيات التشبيك. لعله أدرك مثل ذلك مع فنان بحث عنه في الشبكات فظلّ خياله يطارده من يومها، أو قد يكون محاضراً أو مشعوذاً أو بائع وَهْم يقفز له بلا استئذان لأنه سأل عنه يوماً في متاهة العالم الشبكي.

مع ولوج الفقاعة، يشعر المتصفح باستيلاء الحالة على المشهد الذي يتجلّى له، وأنّ ما حسبه موضوعاً عابراً بات يتراءى له ظاهرةً تتضخّم. والحال أنّ الجمهور لن يبالغ إن وصف كل حالة يسأل عنها بأنها باتت "ظاهرة"، فهو يدركها على هذا النحو بمجرد البحث عنها، وقد تحيط به الفقاعة وتستحوذ عليه.

يتعاظم هذا المنحى مع تطوّر التشبيك باتجاهات الربط الموضوعي، التي تعني ببساطة أنّ الفرد كان يبحث في الشبكة؛ ثم صارت الشبكة تبحث عنه وتتحرّى تفضيلاته وتتلمّس اهتماماته وتشخِّص شواغله وتُدرك أسئلته وتخاطب ميوله وتستثير رغباته، وهي تنشئ عبر خوارزمياتها المعقدة توصيفاً له يتعمق من خلال فحص أواصره الواقعية والافتراضية وما يتكثّف فيها من سمات وخصائص.

لا عجب إذن أن يتقدّم فهم الشبكة للفرد، بمراحل، على فهم محيطه الاجتماعي له، وقد تملك الشبكة إحداثيات مذهلة عن التموضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والنفسي للفرد ضمن نسقه، بصفة تفوق قدرة الفرد ذاته على تحديد تموضعه هو. وقد يكون خياراً جيداً أن تبادر شركات الاتصالات بمنح مشتركيها تقريراً وصفياً عن أنفسهم وموقعهم من إحداثيات الزمن الشبكي الجديد الذي تتلصص عليها السلطات والشركات لتشخيص سمات الأفراد الموضوعين في بؤرة الاهتمام.

من بحَث يوماً في الشبكات عن خيار تمزيق سروال الجينز، فسيكتشف عالماً بحياله، له في ذلك ألوانٌ وفنون. ومن طلب صنفاً مخصوصاً من الطعام أو الشراب فقد يحسب بعد البحث عنه أنّ الأقدام تتزاحم طلباً لهذا الصنف بالتحديد. يكتشف الفرد مجتمعَه وأمّتَه وعالمه بوجوه لم يدركها من قبل، لأنه يحوز إطلالات غير مسبوقة على "المجتمعات غير المرئية" التي تتكتل حول اهتمامات مشتركة، وهي مجتمعات لا حصر لها وبعضها مُذهل وصادم، لأنها لا تتقيّد بضوابط ومحددات والتزامات من أي نوع.

قد يعني العيش داخل فقاعة انسلالاً من النسق، فأفراد المجتمع "الواحد" ينغمسون بهذا في "مجتمعات غير مرئية" للوهلة الأولى، لأنها مصنّفة تقليدياً "مجتمعات افتراضية"، لكنّ "الافتراضي" هذا لم يَعُد افتراضياً تماماً، فهو متشابك مع "الواقعي" بعُرى وثقى وقادر على تحوير المشهد الاجتماعي، أيضاً، شيئاً فشيئاً. إنّ "الافتراضي" مؤهّل لأن يصنع الحدث أو أن يباشر التهيئة له على الأقل. ولا مجازفة في الزعم بأنّ "الافتراضي" هو "واقعي" بشكل ما.

تنطوي الفقاعة على نظام رمزي خاص بها كما هو معروف في الأوساط المجتمعية المتمايزة. ومن يجدون أنفسهم ضمنها يفهمون بهذا رموزاً وإشارات وإيحاءات قد لا يكون لها المفهوم عينه أو الوقْع ذاته لدى أولئك الواقعين خارج عالم الفقاعة.

وتفرض الفقاعة انشغالاً مكثفاً بموضوعها أو مفرداتها. هذا ملائم تماماً لتضخيم الوعي بالفرد إن كان هو موضوع الفقاعة وشاغلها. يتحوّل الفنان أو اللاعب أو المتحدث أو الواعظ أو المشعوذ سريعاً إلى ديناصور في وعي العالقين في الفقاعة. والفقاعة هنا هي حالة إدراكية، عند محبيه ومناوئيه. ينبغي وفق هذا المنطق الترفّق والحذر في استقبال تعبيرات التضخيم التي تفيض بها الجمهرة في وصف حالة أو فرد، لأنها قد تشي بتضخّم إدراكي وربما بحالة من الانشغال الزائد أو القلق أو الهوس.

يقرع أحدهم نواقيس الخطر عند إدراك "ظاهرة" ما يحسّ بها، والمعضلة في هذا المقام هي أنّ كل حالة باتت من المنظور الإدراكي للفرد والجمهور "ظاهرة" بحيالها، أي أنها مؤهلة من فور البحث الشبكي عنها لأن تُستوعَب على أنها "ظاهرة" علاوة على الالتفات الزائد إلى تعبيراتها في الواقع. إنه زمن الظواهر الجماهيرية، الذي تفرضه حالة غير مسبوقة في التاريخ من إدراك الواقع. وإن طاب لبعضهم قرع نواقيس الخطر مع كل إحساس بما تُعدّ ظاهرة داهمة؛ فإنّ الاستنفار المتجدد من شأنه أن يضغط على الوعي الجمعي على نحو يدفع به إلى ارتدادات متشنجة تحت وطأة الصدمات.