هكذا أجرمنا بغزة

الأحد 13 أغسطس 2017 03:11 م بتوقيت القدس المحتلة

في كل مرة أمنع نفسي عن الاندهاش من تصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ومع أنني فقدت الأمل بموقف واقعي ولا يُعمق الانقسام، إلا أن هذا الرجل يحافظ دوما على دهشتي به، تلك الدهشة التي قتلوها بداخل الشعب الفلسطيني، حتى باتت التنازلات والمواقف اللاوطنية والخيانة تبدو شيئا عاديا وغير مستغربا، ولم تعد "الخيانة وجهة نظر" بل أصبحت حقا مشروعا يستوجب الدفاع عنه، ومع قتلهم للدهشة فينا، انعدمت ردة الفعل التي كان بمقدورها قلب الطاولة على رؤوسهم.

أعلم أنني سأدفع ثمن كل كلمة مكتوبة في هذا المقال، خاصة مع تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية الذي خجلت أكثر دول العالم تخلفا من العمل به، القانون الذي يسمح بالتلصص على المواطنين والاحتفاظ ببياناتهم لمدة ثلاث سنوات وسجنهم وتغريمهم على "اللايك" في وسائل التواصل الاجتماعي، ورغم ذلك إلا أن غضبي لا يتسع له الكون مع كل تصريح للرئيس الفلسطيني، حيث كان آخرها إعلانه بأن المخصصات المالية المدفوعة لقطاع غزة "سيتواصل تقليصها طالما أن حركة حماس لم تستجب لمبادرة القدس، وتحل اللجنة الادارية التي شكلتها وتسلم قطاع غزة إلى حكومة التوافق الفلسطينية"، مشيرا إلى أن "مشكلة الكهرباء بغزة مرتبطة باستمرار حماس في تشكيل الحكومة، فإذا ألغيت حكومة حماس سيلغى قطع الكهرباء".

وحده الشعب من يخسر بعد كل مناكفة سياسية، فالرئيس عباس منزعج من التقارب الحاصل بين حركة حماس وعضو المجلس التشريعي المفصول من حركة فتح محمد دحلان، وهو بالأساس يقف ضد حماس التي يعتبرها مسيطرة على قطاع غزة وضد برنامجها المقاوم الذي لا يتلاءم مع برنامجه السلمي، ولكي يُجبرها على الرضوخ، يضع حياة أكثر من مليوني إنسان بريء في خطر عن طريق خنقهم في مساحة ضيقة وحصارهم حتى الجوع، من أجل إجبارهم على الثورة في وجه حماس التي تتولى إدارة القطاع، فقد أحال أكثر من ستة آلاف موظف في غزة إلى التقاعد دون توضيح أسباب غير تلك التي يشير فيها إلى أن الوضع لن يعود إلى ما كان عليه دون أن تتخلى حماس عن إدارتها لقطاع غزة.

تجد حماس نفسها أمام ضغوطات فلسطينية وعربية وإسرائيلية، تجعلها مضطرة إلى المصالحة مع دحلان، والشيء الوحيد الذي يُخرسنا جميعا عن انتقاد هذه الخطوة هو الشعب الذي صار فجورا أن نتجاهله أكثر من ذلك.

كما وقام بفرض الضرائب على وقود محطة الكهرباء، وقلص رواتب موظفي غزة، وحرم الأسرى المحررين وعشرات الأسرى في سجون الاحتلال من رواتبهم، وقد سبق وصرح المنسق الأممي لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ميلادينوف، أن "إسرائيل قامت بتخفيض إمداداتها من الكهرباء إلي قطاع غزة بنسبة40% بناء علي طلب فلسطيني"، وقد وافق الكابينت الإسرائيلي على هذا التقليص تماشيا مع قرار محمود عباس بخفض النسبة نفسها في مدفوعات تكلفة الكهرباء الإسرائيلية لغزة.

قد نستوعب أن يقوم العدو بفرض هذا الحصار على غزة التي يتدهور الوضع الإنساني فيها منذ أكثر من 10 سنوات، لكن حين يكون الحصار فلسطينيا، يعني أن جريمة تُرتكب بحق أكثر من مليوني فلسطيني لا ذنب لهم، فلسطينيون عانوا من الحصار والحرب، معظمهم لا ينتمون إلى أي تنظيم سياسي، ومن ضمنهم الطفلة شيماء المصابة بمرض التوحد، والتي قامت والدتها بمراسلتي وحدثتني بأنها حاولت توصيل رسالتها إلى الرئيس الفلسطيني مرات عديدة، قائلة "إنها لا تحمل من فلسطين سوى انتمائها لها، وليس لها أي خط سياسي، فما ذنب طفلتها التي تصارع الموت في غزة ولا تستطيع الحصول على تحويلة للعلاج خارجها". لم يبق أمام هذه الأم سوى هاشتاغ تحاول أن تكتب حسرتها وقلة حيلتها عبره " #شيماء_لازم_تتعالج "، فهل عرف الرئيس الفلسطيني أنه بتصرفاته هذه يقتل شيماء وألف طفلة مثل شيماء؟

هذا المخطط الإسرائيلي الفلسطيني يهدف إلى "زيادة تدهور الأوضاع المعيشية في غزة" كما صرح العديد من قادة الاحتلال الذين يعتقدون "بأن التسبب بضرر آخر بتقليل تزويد الكهرباء قد يسرّع التصعيد في القطاع بالثورة على حماس وحذف اسمها من الساحة الفلسطينية". الجنرال الإسرائيلي موشيه إلعاد قال أيضا إن إسرائيل والسلطة الفلسطينية استهلا خطوة جديدة من التعاون الاقتصادي بتقليص إمدادات الكهرباء لغزة، والذي قد يمتد لتقييد دخول المواد الغذائية والمياه الكافية لسكان غزة، للضغط عليهم للثورة على حماس التي اعتبرها "العدو المشترك"، مؤكدا أن "عباس يؤمن بنظرية وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي يريد أن تكون المواجهة القادمة مع حماس الأخيرة للقضاء عليها كليا، كما أن عباس ليس لديه مشكلة في أن يعود إلى غزة بفضل البندقية الإسرائيلية، المهم أن يعود إليها".

أي حق يموت عشرات الأطفال في غزة من بينهم ثلاثة توفوا خلال 24 ساعة نتيجة منعهم من السفر إلى الخارج لتلقي العلاج، وبسبب حصار تدعمه السلطة الفلسطينية.

بعد كل ما سلف ذكره، تجد حماس نفسها أمام ضغوطات فلسطينية وعربية وإسرائيلية، تجعلها مضطرة إلى المصالحة مع دحلان، والشيء الوحيد الذي يُخرسنا جميعا عن انتقاد هذه الخطوة هو الشعب الذي صار فجورا أن نتجاهله أكثر من ذلك، وحتى لو لم يكن في السياسة عدوٌ دائمٌ أو صديقٌ دائمٌ، إلا أن الكل يكاد يرى نهاية حماس على يد "سيء السمعة" الذي يُدعى دحلان، لأسباب عديدة أبرزها أنه مدعوم من دول عربية تعتبر حماس حركة إرهابية ومعنية بزوالها، بالإضافة إلى أن دحلان يستطيع بأمواله تحسين الوضع في غزة وهذا يفتح الطريق أمامه إلى تكوين قاعدة شعبية عريضة، ثم يعيد السيناريو ويقلب الطاولة على حماس من جديد، وربما يُطبق مخطط سلام فياض بالضفة الغربية، الذي أغرق الشعب بالقروض وأشغلهم بلقمة العيش حتى باتوا يفكرون مليا حين يتعلق الأمر بالمقاومة، أو رفع رؤوسهم ضد أي انتهاك من السلطة الفلسطينية وقول "لا"، وهذا ما لا نتمنى حصوله، ولكنه ليس ضربا من خيال، بل هو شيء متوقع من شخصية لها تاريخ دموي في غزة.

ومع ذلك، أرى أنه من الفجور لوم حماس على هذه الخطوة، مع اعتراضي عليها وأسفي على الخراب الذي حل في القطاع وأوصل حركة فلسطينية مقاومة إلى التعامل مع شخص مثل دحلان، لكن هذه هي ثمرة الحصار، وهذا هو المخطط لإبادة مشروع المقاومة في فلسطين، وهكذا أجرمت السلطة الفلسطينية بغزة.

بأي حق يموت عشرات الأطفال في غزة من بينهم ثلاثة توفوا خلال 24 ساعة نتيجة منعهم من السفر إلى الخارج لتلقي العلاج، وبسبب حصار تدعمه السلطة الفلسطينية التي رفضت خلال شهر واحد 1622 تحويلة علاجية لمرضى غزة؟ بأي حق تجوع العائلات؟ بأي حق يُدفع الشباب إلى التفكير بالهجرة؟ بأي حق يفرضون عليهم كل هذا الفقر وهذا الشقاء. حكومة تجبر الأسرى داخل سجون العدو على الإضراب عن الطعام للمطالبة برفع ظلمها عن عائلاتهم التي قطعت رواتبهم عنها، ولا تكتفي بظلم الاحتلال لهم، فتعاقبهم لأنهم دافعوا عن شرفنا وأوطاننا التي تنازلت هي عنها، هي حكومة مُجرمة.

صمتنا هذا، دفع قيادة كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، إلى تقديم خطة مقترحة من أربعة بنود إلى القيادة السياسية، للتعامل مع الأوضاع اللاإنسانية في قطاع غزة.

أي استحقاقات تجعلكم تُجوّعون الشعب وتُغلقون كل شيء في وجهه، أم أن بالكم لن يهدأ إلا حين تجردون المقاومة من سلاحها! الجميع يشارك في جريمة غزة، العدو الإسرائيلي والعرب والسلطة الفلسطينية، لكن يبقى صمتنا أسوأ وأقسى وأحقر عقاب لهم.

صمتنا هذا، دفع قيادة كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، إلى تقديم خطة مقترحة من أربعة بنود إلى القيادة السياسية، للتعامل مع الأوضاع اللاإنسانية في قطاع غزة، وتتلخص الخطة في إحداث حالة فراغ سياسي وأمني في غزة قد يفتح الباب على مصراعيه لكل الاحتمالات بما في ذلك حدوث مواجهة عسكرية مع الاحتلال، إذ تتخلى حركة حماس عن أي دور في إدارة القطاع وتُكلّف الشرطة المدنية بتقديم الخدمات المنوطة بها وتقوم بعض المؤسسات المحلية بتسيير الشؤون الخدماتية للمواطنين، فيما تتولى الأجنحة العسكرية التابعة للفصائل بملف السيطرة الميدانية الأمنية، وتتابع الأجهزة الأمنية في وزارة الداخلية التي تديرها حماس الأمور الميدانية المدنية فقط.لا أدري ما هي الكارثة القادمة، ولكن قد تكون خطة كتائب القسام هي الأنسب في ظل الوضع الراهن، وكما يقول المثل الفلسطيني "إن ما كبرت ما بتصغر".

المصدر : مدونات الجزيرة