في هجاء "الجزيرة" ورثاء الحقيقة!

الأحد 13 أغسطس 2017 11:25 ص بتوقيت القدس المحتلة

لا تزال قناة الجزيرة شاغلة النّاس، وفيها يفترقون، وهذا في جانب منه يؤكد أهميتها المستمرة، وأثرها الذي لا يتوقف، دون أن ينفي تراجعها، وإن كان تراجعها في أصله واحدًا من إنجازاتها، وهذا ما قد يبدو غريبًا، ولكنه من مفارقات الأشياء في هذه الحياة المفعمة بالتناقض والمتصفة بعدم الاستواء على حال واحد.

إنّ أهم ما فعلته الجزيرة أنها أدخلت الناس في عملية تسييس واسعة، أفضت إلى تعاظم الوعي والمعرفة السياسيتين، وذلك فعلُ كسرٍ مهم لاحتكار النخب التقليدية للسياسة، وأدى ذلك في النتيجة إلى اشتراك الجماهير بعد 15 سنة على إطلاق قناة الجزيرة في الفعل السياسي المباشر من خلال الثورات العربية، فانتقلت الجماهير إلى فاعل أساسي غير تقليدي يزاحم النخب التقليدية.

يمكن لنا أن نستدعي بالذاكرة ذلك الشغف الذي جمعنا بالجزيرة حين إطلاقها، وهوسنا بنمط أخبارها، وانجذابنا إلى بريق برامجها ساعتها، لا تلك الصاخبة المستفزة كالاتجاه المعاكس فحسب، بل ما قد يكون نمطه اليوم رتيبًا ومملاً كبرنامج "أكثر من رأي"، الذي لم يكن حينها مملاً أبدًا.

السر في ذلك بسيط، أن الجزيرة كانت تقول ما لم يكن قوله ممكنًا أبدًا في الإعلام التلفزيوني السائد، وأنها بجرأتها، أكثر مما هو بتقنياتها المادية، خلقت ذلك البريق الآسر، الذي كسرت به احتكار النخب للخطاب الإعلامي والسياسي، وقد عززت -أي الجزيرة- من قدرتها على الجاذبية الشعبية بمنح القوى الشعبية والمعارضة منبرًا لها على شاشتها. المهم في ذلك ما قلناه بداية إن الناس صاروا أكثر تسييسًا ووعيًا، وهذا هو الإنجاز للنمط الذي ابتدعته الجزيرة في المجال العربي.

وإذا كانت الجزيرة قد كسرت احتكار النخب التقليدية للخطاب السياسي، فإنّه لم يكن مقدّرًا لها أن تستمر هي بدورها في احتكار النمط الذي ابتدعته في المجال العربي، فجرّت الأوضاع الإعلامية الجديدة التي ساهمت الجزيرة مساهمة كبرى في إيجاديها؛ جرّت إلى حالة من المنافسة، تمثّلت فيما بعد في عدد هائل من القنوات التلفزيونية التي -وبصرف النظر عن أجندتها وتبعياتها السياسية والتمويلية- حاولت تقليد أداء الجزيرة، أو توسّعت فيما كان محظورًا من قبل، واضطرت للحديث عن المهمّشين والمنسيين الذين كان من أشكال استضعافهم إنكار وجودهم!

البيئة الجديدة التي ساهمت الجزيرة مساهمة كبرى في إيجادها؛ هي سبب تراجع الجزيرة بالدرجة الأولى، وذلك لاعتبارين جوهريين؛ الأول زيادة الوعي، وبالتالي وجود حالة نقدية أكثر حدّة وعمقًا تستهدف الجزيرة نفسها بالنقد كما تستهدف غيرها، ثم ثانيًا لامتلاء الفضاء بالقنوات والمؤسسات الإعلامية التي تغزل على منوال الجزيرة بتقليد أدائها أو باضطرارها لمساحات حرية أوسع، أو لاضطرارها إلى الجماهير المغيبين من قبل، وهذا بالضرورة يأخذ من مساحات الجزيرة، وينتقص من جمهورها.

طبعًا؛ تلك ليست الأسباب الوحيدة، ولا هي وحدها التي تمثّل عمق المسألة، فتراجع التلفزيون عمومًا لصالح تجليات التقنية الحديثة وأدواتها الاتصالية المتعاظمة يوميًّا، وما أتاحته من منابر خاصة لكل إنسان يمكنه بها أن يطوّر معرفته، أو يعبّر عن رأيه، أو يتصل بغيره، مع ما تُوفِّره من حيّز خاصّ يمكن لصاحبه التحكّم به منفردًا؛ كل ذلك تدفع الجزيرة -بما هي أولاً قناة تلفزيونية- ثمنه، وإن كانت تحاول مواكبته إلكترونيًّا، ولعلها الأنجح حتى الآن من بين المؤسسات المنافسة في تلك المواكبة.

الجزيرة لكن من جملة تلك الأسباب، كون الجزيرة استثمارًا قطريًّا سياسيًّا، فخصوم قطر، هم غالبًا، خصوم للجزيرة نفسها، بيد أن الملاحظة التي تجدر هنا، في أن سياسات الجزيرة، استفزّت بداية النخب التقليدية، السياسية، والإعلامية والثقافية المرتبطة بها، وجرّت على قطر بذلك الكثير من المشكلات، إلا أنّها، وغالبًا مرة أخرى، لم تكن سياساتها سببًا للاصطفاف ضدّها من القوى التي كان يمكن تصنيفها قوى تغيير ومقاومة في المجتمعات العربية.

بكلمة أخرى كانت الجزيرة دائمًا استثمارًا قطريًّا، وكان لها سياسات يُفترض أنها محلّ رفض من الأساس كاستضافة الشخصيات الصهيونية، ولم يكن يخل أمر بعض مقدميها أو مراسليها أو مكاتبها من سبب للاعتراض أو اتهام بانحياز على حساب الحقيقة، ولكن رغم ذلك، فإنّ هذه الاعتبارات كلّها لم تؤدّ إلى اصطفاف ضدّها من بعض قوى التغيير والمقاومة إلا بعد الثورة السورية، وظلّت الاعتراضات عليها جزئية دون أن تتحول إلى اصطفاف كامل وقطعيّ كما صار بعد الثورة السورية.

في سياق نقد الجزيرة، يقال إنها مسّت بما ينبغي أن يكون مطلقًا إذ جعلته نسبيًّا، فبينما تبدو أقرب القنوات الممولة خليجيًّا للمقاومة الفلسطينية، فإنها تتبنى خطًّا تحريريًّا يعترف بـ "إسرائيل" وتستضيف شخصيات إسرائيلية، ويمكن قول الأمر نفسه مع جملة من القضايا تغير فيها خطاب الجزيرة على وقع التطورات السياسية وبحسب مصلحة الاستثمار القطري.

هذا الأمر صحيح في نفسه، ولكنه ينطبق على قائليه إن كان نقدهم وليد الثورة السورية وتزيّا بثوب الحقّ والحقيقة، فطالما أن هذا النقد لم يشتغل قبل الثورة السورية، وظلّ جزئيًّا ويقبل الجزيرة عمومًا ولا يصطفّ ضدّها، وطالما أنّه صار يدّعي الحرص على مطلقات معيّنة وعلى الحقّ والحقيقة، فهو بدوره يجعل ما ينبغي أن يكون مطلقًا نسبيًّا؛ كالحق الفلسطيني، فالاصطفاف حصل بسبب تحوّل سياسي هو "الأزمة السورية" وليس بسبب السياسات التحريرية للجزيرة، والتي كانت موجودة من قبل الثورة السورية.

يمكن أن نضيف أمثلة عديدة على إهدار هذا الفريق من نقاد الجزيرة للحقيقة في حين ينتقدها باسم الحقيقة، فمفهوم المقاومة -مثلاً- جرّدوه من بعده الجوهري، فلم يعد المقاوم هو ذلك الذي يمارس المقاومة فعلاً أو يتخذ موقفًا جذريًّا من العدو.

إنما صار المقاوم عندهم هو ذلك الذي يوافقهم سياسيًّا؛ كأن يوافقهم من الموضوع السوري بصرف النظر عن ممارسته المقاومة أو موقفه من الكيان الصهيوني، ولذلك وجدنا (بعضًا) من هؤلاء عدّ عبد الفتاح السيسي مقاومًا، بينما نفى حماس عن دائرة المقاومة! كما يمكن أن يكون المقاوم لدى (بعض) تنوعات هذا الفريق هو ذلك الذي يوافقهم طائفيًّا، كالقوى الشيعية التي تقاتل في الموصل دون النظر إلى الغطاء الجوي الذي توفره أميركا لها!

ليست الفكرة هنا تبرئة الجزيرة أو إدانة هذا الفريق المستجدّ من خصومها بمنطقهم ذاته، وإنما الفكرة في كون النقد قد يستحيل إلى مزايدة خالصة، حتى لو كان صحيحًا في ذاته، بيد أن هذه الصحة قد لا ينبني عليها الشيء الكثير، بالنظر إلى أن الاستثمار السياسي هو الحاكم لكل المنابر القائمة، بلا استثناء، ولا ينبغي توقع شيء آخر، وهو ما يستدعي الموازنة في التعامل مع تلك المنابر، على أساس الاقتراب والابتعاد والتأثير والمهنية واحترام الذات، وهو ما يبدو أن الجزيرة ما زالت متفوقة فيه حتى الآن.