التمرد على المجتمع.. موضة أم رغبة في التغيير؟

الخميس 10 أغسطس 2017 03:34 م بتوقيت القدس المحتلة

التمرد على المجتمع.. موضة أم رغبة في التغيير؟

عمر الآغا

ربما تمثل الرغبة العارمة في التمرد على مظاهر الواقع، والشك فيما يمكن اعتباره ثابتا في بنية المجتمعات العربية، إحدى السمات البارزة في واقعنا المعاش، إذ لم تقتصر ثورات الربيع العربي على ما صاحبها من اهتزازات سياسية، وإنما امتدت لتشمل نطاقات الاجتماع والثقافة والفكر.

صاحبَ هذه الاهتزازات أزمة حقيقية عصفت وما زالت بكثير من العقول، وتمثلت في حالة من النشاط المفرط في نقد ورفض كل ما يحيط بالناقد، من عادات وتقاليد وأفكار، وأديان وتشريعات، وما زاد من تأزم هذا الوضع توازيه مع حالة من الكسل في البحث عن المعرفة لدى الكثيرين.

المشكلة لا تتمثل بحالة الشك والنقد في ذاتها، وهو أمر محمود في كثير من الأوقات إذا ما دفع الفرد للبحث الحقيقي عن إجابات، والبحث هنا أقصده بمعنى بذل الجهد والوقت اللازمين للبحث، وإنما تتمثل المشكلة بالشك لذات الشك، الشك كحالة من التعالي على الواقع، الشك كحالة من حالات تحقيق الذات، لأن الرفض في وجه من أوجهه تصوير للآخر بمظهر التخلف، وعليه فإن رفض ما يقوم به الآخر يعطي للذات شعورا بالسمو على واقع متخلف، وهي صورة من صور خداع النفس من خلال إيهامها بارتباطها بأفكار أسمى وأرقى، حتى لو لم تصل لإجابة ما.

نحن هنا لا نطالب الجميع بالدخول في رحلة البحث عن المعرفة، إذ أنه أمر غير واقعي، فالناس عادة ما يميلون للتعايش مع ما هو مألوف، بمعنى الأمور التي تبقيهم داخل منطقة الراحة، ف "هذا ما وجدنا عليه آباءنا" تعد نسقا كاملا، يتحكم بجميع مفاصل الحياة لدى الكثير من الناس، كما أن جملتي "ليش نوجع راسنا" و "ياخي محنا عايشين ومرتاحين" هي جمل تتردد كثيرا وتمثل انعكاسا لحياة تَعُدُّ البحث حالة من الدخول في دوامة لا حاجة للفرد بالدوران فيها.

إلا أنه وقد تملكتك الرغبة في نقد الأنساق المعرفية، فهذا يتطلب البحث، إن كانت هناك فعلا رغبة للوصول لمعرفة تجيب عن التساؤلات. فالسائد ليس سيئا لأنه سائد، وهذا أمر -ربما- بات التذكير فيه أمرا هاما، إذ يمكن ملاحظة أن حالة التمرد أصبحت أشبه بـ"موضة"، وضَربا من الدخول في تيار يعد نفسه قد بلغ تمام الوعي، وحالة من الانضمام للأشخاص المنفتحين ثقافيا، حيث كثيرا ما يتم ربط الرفض والتمرد بالوعي، وهو ربط زائف، لا يحوي في مضمونه سوى أسباب هدمه إن لم يستند على حجج وأسباب.

وكما أن هناك تيارا يتصف بالجمود في فكره برفض أي فكر مخالف، نجد تيارا آخر بالمقابل يتبنى الرفض كحالة مستمرة تصد وتحارب مخالفيهم من "أتباع النسق السائد"، لتشكل حالة التمرد "أيدولوجية" لها خطوط دفاع وهجوم مستعرة، وبذلك لا تختلف عّمن يسمونهم عليهم بـ "المتشددين".

وما يمكن ملاحظته كذلك أن بعض المنتقدين لثقافة المجتمعات الإسلامية والعربية مُولَعون بثقافة غربية، وهو ذات الأمر الذي خصص له العالم ابن خلدون -رحمه الله- في الفصل الثالث والعشرين من مقدمته الشهيرة بابًا بقوله "فصلٌ في أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده".

فلا يكون النقد إلا نتاج إعجاب بنموذج آخر يرى الفرد فيه علامات تحضر، ليصبح التقليد سمتا وطريقا لا يفرق فيه المرء بين جيد وسيء، فيعاد بذلك تشكيل هوية الفرد بما لا يتفق مع ما يعيشه، وإننا إن أغفلنا ثقافتنا وتاريخنا وحاولنا معالجة مشاكلنا باستيراد الأفكار مع تجاهل السياقات التي أنتجتها كما ذكر مالك بن نبي، فإننا بذلك نصنع كائنا مسخا مشوها، يتخبط بين هذه وتلك، لا ينتج فكرا وإنما يبقى تابعا، يتلقف كل وارد دون تمحيص، ولا يجسد من الأفكار إلا ظاهرها.

إن معرفة العوامل المؤثرة في تشكيل الأفكار، من تقاطع المؤثرات الدينية والسياسية والتاريخية والنفسية والاجتماعية وتداخلاتها في تكوين ثقافة المجتمعات، معرفة هذه العوامل هو ما يمكن أن ينتج معرفة فاعلة، وفهما أفضل وأنضج، يستفيد منه الشخص نفسه قبل غيره، ويخرجه من حالة النقد الأجوف، نقد قد يمثل في حقيقته اتباع لموضة سائرة، وإننا معنيون هنا بتغيير أفكارنا نحن، أن نعي ذلك جيدا قبل أن نسعى في تغيير مجتمعاتنا، وأن نعي في أي لحظة تاريخية نقف كما ذكر بن نبي وما موقفنا هنا لنخرج بنقد واعٍ ومتزن -قدر الإمكان- يعي المشكلات وحلولها.