الحرب على الجزيرة

الأربعاء 09 أغسطس 2017 03:33 م بتوقيت القدس المحتلة

ثلاث دول إن ذمت جهة أو شخصا أو دولة فإن العكس هو الصحيح، وهي الكيان الصهيوني والولايات المتحدة والسعودية، وإن امتدحت جهة أو شخصا أو دولة فإن العكس هو الصحيح أيضا. إن قالت عنا هذه الثلاث إننا نحسن صنعا فنحن بالتأكيد نسيء، وإن قالت إننا نسيء صنعا فنحن بالتأكيد على الدرب الصحيح. الكيان الصهيوني والسعودية يعادون الجزيرة، والكيان الصهيوني والسعودية وأمريكا يذمون حزب الله. والمفارقة التي تتكرر دائما على الساحة العربية أن الجزيرة وحزب الله لا يلتقيان. ونحن نذكر صدام حسين وحافظ الأسد اللذين كانا يواجهان ذات العدو ولكنهما كانا متخاصمين.

هناك حرب على الجزيرة الآن، وهي لم تبدأ مع هلوسة السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وإنما هي منذ زمن بعيد، وعملت العديد من الدول في السابق على إغلاق مكاتب الجزيرة واعتقال مراسليها وتحطيم أجهزتها.

لقد ارتكبت الجزيرة خطيئة كبيرة أفقدتها ثقة عشرات الملايين من الناس. مرت فترات على الجزيرة اكتسحت فيه الساحة العربية وأصبحت مرجعا إعلامية للوكالات الإعلامية العربية. هي التي غطت أحداث أفغانستان، وأحداث العراق، وغطت حروب الصهاينة ضد حزب الله وضد حماس ومجمل المقاومة الفلسطينية. وقد تبنت الجزيرة في وقت ما فكرة الوحدة العربية والتضامن العربي حتى باتت مصدر ثقة أغلب التيارات الفكرية والسياسية في الساحة العربية. لقد أصبحت الأيقونة الإعلامية للتيار القومي والتيار الديني ومختلف التيارات الثقافية والفكرية. وتحولت الجزيرة إلى مصدر المعرفة الأول في الساحة العربية. لكنها ارتكبت خطيئة كبيرة عندما أدخلت نفسها في الفتن العربية، وكنت أكتب للجزيرة حول هذا الموضوع طالبا منهم أن يبتعدوا عن الفتن، وعن السياسات السعودية التي غالبا تشعل الفتن والضغائن والأحقاد. لم يكترثوا لا لي ولا لغيري، وكذلك فعلت قطر. والآن انقلبت الأمور وأصبحت الجزيرة لا مع ستي (جدتي) بخير، ولا مع سيدي (جدي) بخير. لقد عادت محور سوريا وإيران، والآن يعاديها المحور الذي صمت عنها مقابل معاداتها للطرف الآخر وهو المحور السعودي الصهيوني. لقد انحازت أثناء الحراك العربي للسعودية ومن والاها، وأدارت ظهرها إلى حد كبير للموضوعية الإعلامية. ولحظة الحقيقة قد أتت الآن، وكلامي الذي وجهته للجزيرة أكثر من مرة ثبت أنه صادق وأمين وصحيح.

إنني أدعو شرفاء الأمة العربية ومخلصيها ألا يتعنتوا في مواقفهم التي ساهمت الجزيرة في بنائها. ونرجو أن تتجمع الأصوات طالبة من الجزيرة العودة إلى ما كانت عليه، وفي ذلك فائدة للجزيرة وفائدة للأمة العربية ككل. ولكن نريد مبادرة من الجزيرة لإصلاح الوضع.

هناك دول تضع ثقلها بغباء شديد ضد الجزيرة وهي دول الحصار الخليجي ومصر. وينضم الآن لهم الكيان الصهيوني الذي أغلق مكتبها في القدس ويدعي أنه رائد الديمقراطية في المنطقة العربية. ودائما الأفضل ألا تحصل وسيلة إعلام عربية على تصريح للعمل من الكيان الصهيوني، والأنسب دائما أن تعتمد على حركة "الفري لانسرز"، وعلى صحافيين محترفين خارج المكاتب. فماذا ستفعل الجزيرة حتى تعيد الثقة التي كانت سائدة سابقا. لقد خسرت الجزيرة الملايين من مشاهديها، وهي تحتاج الآن إلى جهود كبيرة لاستعادة الثقة.

إنه من المصائب العربية أن تقف دول عربية ضد وسيلة إعلام مهما كان توجهها في الداخل العربي. مفهوم إغلاق قنوات تروج للصهاينة والأمريكان، لكن ليس من المفهوم ملاحقة وسيلة إعلام تتبنى وجهة نظر لا تروق لبعض الدول أو بعض الأحزاب. يجب أن نخرج من نير العنصرية والأفق الضيق والبلادة الفكرية. ما تقوم به دول الحصار ضد الجزيرة غير مبرر، كما أن أفعالها ضد أي وسيلة إعلام أخرى غير مبررة أيضا. إنه من العار والخزي أن قامت دول بإخراج قناة المنار من العرب سات والنايل سات. هذه المخازي للأسف ما زالت مستمرة في الساحة العربية. وما دام العرب محكومين لحكام بهذا المستوى الفكري الضحل والمتخلف فإن المخازي لن يتوقف سيلها.