هل الحديث النبوي حجة دينية؟!

الثلاثاء 08 أغسطس 2017 07:34 م بتوقيت القدس المحتلة

هل الحديث النبوي حجة دينية؟!

عصام القيسي

طالعت قبل أيام عناوين مدونات تتحدث ربما عن السنة النبوية والأسئلة المثارة حولها. ولم أتمكن وقتها، بسبب انشغالي، من مطالعة ما كتبه المدونون حول هذه القضية. إلا أن العناوين قد أعادتني إلى الوراء حوالي خمسة عشر عاماً. إلى السنة التي أعلنت فيها لأول مرة عن شكوكي العلمية حول ما يسميه الأصوليون بـ "حجية الحديث النبوي". وما تلا ذلك الإعلان من أحداث درامية في حياتي، ربما تسمح الأيام بروايتها في مقام آخر.

وبناء على هذه التجربة الشخصية، التي أزعم أنها ثرية، يمكنني الإدلاء برأي في هذه القضية الحساسة جداً بالنسبة لعموم المسلمين. ولا أظن أن الإدلاء برأي علمي في مسألة دينية يخالف سياسة النشر في هذه المدونات. فما بالنا إذا كان موضوع النقاش يمس مختلف جوانب حياتنا. وهذه النقطة الأخيرة هي الحقيقة الأولى التي نود لفت الانتباه إليها في قضية السنة والحديث. حقيقة أن الروايات المنسوبة إلى النبي محمد، هي التي شكلت العقل الإسلامي من بعد عصر النبوة والراشدين، وليس القرآن الكريم. أو لنقل إن لها النصيب الأكبر في تكوين هذا العقل.

لقد شكلت الروايات المنسوبة إلى النبي، واقع الإنسان المسلم ومصيره، عندما شكلت النموذج الإدراكي له، فأصبح لا يرى العالم إلا من خلالها. وقد حازت هذه المكانة باعتبارين اثنين، الأول ضخامة حجم المادة الموروثة منها، والآخر خطورة الدور الذي وظفت له مع القرآن الكريم. فعلى المستوى الأول هناك ما يقارب خمسين ألف حديث معتبر عند المحدثين. وعلى المستوى الآخر، تقوم هذه الروايات بدور يشبه دور الحاجب في العهد العباسي المتأخر. فهي مخولة ببيان مجمله، وتخصيص عمومه، وتقييد مطلقه، وتفسير غامضه. وهي اختصاصات تحجز القرآن الكريم عن ممارسة وظيفة الجدل مع العقل الإنساني.

مواقع التواصل

إن هذا الدور الذي أنيط بالحديث المنسوب للنبي سيبدو أكثر خطورة في حياة المسلمين، إذا ما تبين أنه محاط بالظن من جميع جهاته. الظن من حيث حجيته الدينية، والظن من حيث ثبوته التاريخي، والظن من حيث دلالته اللغوية. وأخطر هذه الجهات على الإطلاق هي جهة الحجية. فماذا لو ثبت أن الحديث النبوي، ليس جزءا من الرسالة النبوية، وأنه في أحسن الأحوال جزء من السيرة النبوية؟! وبعبارة أدق: ماذا لو لم يثبت بالدليل الكافي أن ما يسمى بالحديث النبوي يعد امتداداً للرسالة التي كلف النبي بإبلاغها؟! أليس في ذلك ورطة كبرى على مستوى سلامة العقيدة، وعلى مستوى سلامة العقل الإسلامي؟!

والحقيقة التي لا يستطيع باحث جاد دفعها هي أن الأدلة التي قدمها الفقهاء في إثبات حجية الحديث النبوي، منذ الشافعي وحتى الشاطبي، لا ترقى إلى مستوى الأدلة القطعية. فضلا عن أن القرائن المعارضة لها أقوى وأكثر. فما من آية قرآنية استشهد بها الفقهاء لإثبات حجية الحديث إلا وهي ظنية الدلالة، تقبل التأويل على أكثر من وجه. والمطلع على ملابسات استشهاد الشافعي بآية الأحزاب 34 يدرك معنى ما أقول. فلا هو ولا الذين جاءوا من بعده قالوا إن الآية قطعية الدلالة على ما ذهب إليه. بل ذهب كثير من المفسرين والفقهاء إلى رد هذا الاستشهاد ونقده.

أما الشاطبي فقد تجاهل هذه الآية في سياق استشهاده على حجية الحديث النبوي. واستعان بغيرها، كآية النحل 44، التي ظن أنها أكثر وضوحا وحسما في ما ذهب إليه. لولا أن قواعد اللسان وبعض المفسرين النابهين، وفي مقدمتهم ابن عاشور، قد أفسدوا عليه عمله. ولا يحتاج الباحث لأكثر من هذا الاضطراب في إثبات ظنية الأدلة التي يسوقونها لإثبات أن الحديث النبوي جزء من الرسالة التي كلف النبي محمد بإبلاغها للناس.

أما على مستوى ثبوت هذه الروايات فإن علم الحديث نفسه يخبرنا بأمرين، يكفي أحدهما للحكم بفساد نظرية حجية الحديث. الأول أن المتواتر منها يكاد يكون معدوماً، والآخر أن الحكم بصحة بعضها لا يعني الحكم بقطعية وروده عن النبي، وإنما المقصود من لفظ "صحيح" هو أنه قد توفرت فيه شروط الصحة الخمسة التي اشترطها البخاري ومسلم. إلا أن توفر هذه الشروط، كما يقولون، في الرواية المعينة لا يضمن صحة ورودها عن النبي! والقول بأن مجمل الروايات الحديثية لم تثبت بالتواتر يعني أنها ظنية الثبوت أيضاً.

أما إذا استنطقنا الروايات نفسها في شأن تدوين الحديث فسنكون أمام مهرجان كبير من الأصوات التي تؤكد نهي النبي محمد عن تدوين كلامه خارج القرآن الكريم. وهو نهي عام لم يثبت أنه تراجع عنه، كما قال الأستاذ محمد رشيد رضا في خلاصته الدقيقة والشاملة على ما دار من حوار في مجلة المنار التي كان يرأسها في النصف الأول من القرن العشرين حول هذه المسألة.

خلاصة الأمر نحن أمام قضية محاطة بالظن من كل جهاتها، ومن كان هذا حاله لا يجوز عقلا أن يكون ذا سلطة على العقل، ولا يجوز ديناً أن يكون جزءا من العقيدة. فالقرآن ينهى عن اتباع الظن في مجال الاعتقاد على الأقل، ومنزلة الحديث من القرآن هي منزلة عقدية لا شك: "وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا".