البلطجي والرقاصة

الثلاثاء 08 أغسطس 2017 05:58 م بتوقيت القدس المحتلة

منذ عقود من الزمن امتلأ فضاء السينما العربية بالمئات من الأفلام، الكثيرُ منها إلى حدٍ كبير بلا هدف أو مضمون، إنما لتمرير غياب الأخلاق في مجتمعاتنا العربية، وخلاله كما تجسد ذلك السينما المصرية لا بُد من فقرة، أو إن شئت فقل عدة فقرات لراقصة شهيرة يُحيطُ بها بلطجي أو مجموعة من البلطجية بهدف حمايتها وتنظيم جدول زوارها المعتادين، فإن كانت من الراقصات المبتدئات فهذا يعني بأن زوارها من شباب الشوارع “الصايع العاطل عن العمل والغارق في زوايا الحشيش والمخدرات”، وإن كانت من المشهورات وتُجيد التلوي مع “الطبال” فمن الطبيعي حينها أن تجد زوارها من السياسيين وصُناع القرار، وحينها ستكون حتماً الأوضاع التي تعيشها بلادنا العربية نتيجة طبيعية لأحداث فيلم “الراقصة والسياسي” الذي نعيش أدق تفاصيله هذه الأيام.1

في الحالة العربية التي وصلنا إليها من الذُل والهوان وعلاقة تلك الدول بالقوى العالمية وفي مقدمتها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، لا يمكن التمثيل لما يدلل على شكل تلك العلاقة إلا بعلاقة “البلطجي بالرقاصة”، وهذا المثال يتضح بشكل أكثر دقة خلال الشهور القليلة الماضية التي أعقبت فوز “دونالد ترامب” في سباق انتخابات الإدارة الأمريكية، وهو الذي جاء من بيئةٍ بعيدة عن السياسة خلافاً لمن سبقوه، فما امتلكه من أموال كان كفيلاً بتقليده هذا المنصب الأهم على مستوى العالم.

وبالتالي، فإن كل الأساليب التي يتعامل بواسطتها “ترامب” مع حلفائه وخاصة الزعماء العرب منهم تعتمد على أدوات البلطجة والعربدة، على اعتبار أنه لا يرى في زعماء “الاعتدال العربي” إلا مجرد رقاصة بحاجة لجهود “البلطجي” لبقائها على الحياة وأدائها رسالتها المطلوبة، وامتاع جماهيرها ومؤيديها.

ولا يعتبر “ترامب” البلطجي الوحيد في العالم، ولكن الأمر يعتمد على مدى شهرة الرقاصة التي تحتاج للبلطجي، فهناك رقاصة تجد فيه الوكيل الوحيد لحمايتها واستمرار جهودها “أقصد ترامب”، وهناك رقاصات مبتدئات قد وجدوا ضالتهم في “الدب الروسي” مؤدياً للغرض، وفئة ثالثة منهم اعتبرت “نتنياهو” البلطجي الأفضل لبقائهم على دكة الرقص السياسي على نضالات شعوبهم، بل إن صنفاً من دولنا العربية لم تكتفِ ببلطجي واحد، واختارت اثنين أو ثلاثة لهذا الغرض، وهذا يعتمد بالأساس على أنواع الرقصات التي تؤيديها راقصة تختلف عن الأخرى.

إن وجود “البلطجي” و “الرقاصة” لا بُد من تواجده في منظومة العمل السياسي الدولية، فكما داخل “الكباريه” تحتاج “الرقاصة” إلى “البلطجي” ليقوم بمهمة الدفاع عنها من “السُكارى” والمتحرشين، فهو كذلك يحتاج إليها ليتقاضى راتبه وأجره الشهري، وكلما كانت تلك “الرقاصة” مشهورة وتمتلك فنون “هز الوسط وغيره” فهذا يعني زيادة قيمة راتبه وحوافزه.

باختصار، إن وجود البلطجي لا معنى له بدون وجود الراقصة، واستمرار انتشار رقاصة دون غيرها مرتبط أساساً بالدقة ومدى التنظيم الذي يقوم به ذلك البلطجي لتلك الرقاصة، لكن البلطجي بأمواله وعنجهيته قادر على صناعة الكثير من الرقاصات الذين يجمعون من حولهن ملايين عُشاق الرقص في شعوبهم من أولئك العاطلين عن العمل والذين أغلقت الدُنيا أبوابها في وجههم فلم يترك لهم “البلطجي” سوى باب ” الرقاصة” مفتوحاً وتعلوه رايةً حمراء.

إن صناعة الرقاصات مهمة سهلة للغاية يقومُ بها البلطجي صاحب المال والسلطان والقوة، وحينما يحتاج لذلك فما عليه سوى دق الطاسة، وكما يقولون “دق الطاسة تجيك ألف رقاصة”.

الواقعُ العربي يوقعُ على كاهل أبنائه العلماء والمثقفين وأصحاب الرأي والمشورة التدخل العاجل لقطع علاقة الارتباط والالتحام التي يعيشها البلطجي الغربي بالرقاصة العربية ويروح بفعلها الملايين من أبناء بلادنا مسلوبة الخيرات على يد الرقاصة التي تمنحها للبلطجي ليبقى محافظاً على سلامتها واستمرار تواجدها على مسرح الرقص في بلادنا العربية.

صحيحٌ أن التحرك سيجعلنا ندفعُ أثماناً لذلك، غير أن عدم التحرك من قبل شريحة العلماء والعقلاء في بلادنا لن يجعلنا في منأى بألا نتحول إلى رقاصاتٍ ذات يوم بفعل ثقافة التخدير التي يُمارسها البلطجي ويمررها في العقل الجمعي للشعوب المقهورة، فيتسلل بذلك شيئاً فشيئاً إلى بيوتنا ليخطف عقول أطفالنا منا، ويمضي صوب نسائنا، ثم ينفردُ بنا.

إن تحركنا المطلوب يجب أن يعني رفضنا لتلك العلاقة غير الشرعية بين البلطجي والرقاصة، وإلا فالصمت لا يعني سوى الوصول إلى بيوتنا وضرب جبهتنا الداخلية، وكما علمّنا الأجداد في أمثالهم الشعبية “عاشر المصلّي بتصلي، وعاشر المغنّي بتغني”.