طليطلة.. المدينة المتحف

الإثنين 07 أغسطس 2017 04:22 م بتوقيت القدس المحتلة

طليطلة.. المدينة المتحف

بقلم الصحفية: منى حوا

قد لا تبعد مدينة طليطلة عن العاصمة الإسبانية مدريد سوى نصف ساعة بالقطار، لكن الانتقال إليها سيأخذك في رحلة خارج سياق الزمن. دخول طليطلة بمثابة العودة إلى القرون الوسطى، عندما تزور طليطلة فأنت لن تنتقل إلى حيز جغرافي جديد، أنت ستسافر حرفيًا في رحلة عبر بوتقة الزمن.

أشعر بخيانة علاقتي مع غرناطة وأنا أدلي بهذا الاعتراف، لم تأسرني مدينة من المدن الإسبانية التي زرتها كما فعلت طليطلة. طليطلة هي المدينة المتحف، شاهد حيّ على العصور الغابرة رغم سطوة التغيير.

لو تخيلنا الأندلس في خارطة ويستروس المتخيّلة لـ "صراع العروش" فإن الكنجز لاندنج أو مدينة الملوك ستكون طليطلة بلا أدنى شك، حتى أن العرب كان يسمونها أرض الملوك والأملاك، فهي عاصمة مملكة القوط ومقرّ حكمهم، وربما هذا ما جعل المدينة ملكية بامتياز، باذخة في الفتنة وناطقة في كل جوانبها بآنفة الملوك المارين عليها عبر السنين.

طابع القرون الوسطى يغلب على طليطلة، المدينة القوطية والمدينة الأندلسية تتشابك في طرقاتها مع أحياء المدينة العتيدة، جسران من القرون الوسطى يعبران النهر.

أنا متحيّزة لتفسير التاريخ انطلاقًا من الجغرافيا، متحيّزة أكثر لما تفعله الجغرافيا من ترسيخ للمفاهيم ولعب في الأبعاد السياسية، والأهم دور الجغرافيا في تكوين التصورات. من بنى طليطلة لأول مرة أدرك هذا جيدًا، ومن وعى بهذا الفهم مسقطًا إياه على طليطلة سيعرف تاريخها كاملًا.

تحيط بالمدينة قرى ريفية وادعة، بساتين لأشجار الزيتون، وغابات وارفة من أشجار الصنوبر، تبرز طليطلة بين الامتداد الأخضر وهي تتربّع فوق مكان عظيم على تلة كبيرة، أو لنقل جبل وعر على منحدرات صخرية عالية، ترتفع بشموخ غريب وعنفوان صارخ يلقي بظلال من الهيبة على نهر التاجة، النهر ينساب ملتفا كسوار من ذهب حول طليطلة في الجنوب والشرق والغرب، جدران ضخمة وقلاع حصينة، أبواب شاهقة تستطيل بين أسوار لم يكن لأحد أن يتجاوزها في زمانهم إلا بكيد كبير.

خلف الجدار المُحصّن هناك الكثير من الأساطير والخرافات التي حفظتها الدروب الضيقة المنحدرة، لا لذة تعدل المسير بين منازل طليطلة الصخرية العتيقة، أن تتلمّس أبوابها القديمة وتصغي لحديث الأسوار العتيدة على أرضها الصلدة، ستسمع في شوارعها جلبة الفرسان الذين يغامرون بكل ما لديهم حتى الرمق الأخير دفاعًا عمّا يؤمنون به، لن يحجب هدوء المكان ذاكرة الأمس، صلوات المعابد ترتفع، الكُنس والمساجد والكاتدرائيات.. صليل السيوف والخناجر في مدينة الفولاذ، حانات المحاربين وأسواق الدواب، أنت في مدينة الفرسان، مدرسة العسكر، قبلة المتمردين.

طليطلة عُمرها أقدم من جيش طارق بن زياد، طليطلة امتداد للحقب التاريخية في تكامل وتباين غريب، كانت بلدة رومانية ذات شأن، ثم عاصمة لمملكة القوط، ثم قلعة منيعة وحصن دفاعي وحامية للثغر الأوسط في الحقبة الأندلسية، ثم بؤرة للمالك المسيحية التي ستقاتل الأندلسيين لاحقًا، ثم مقعد السلطة المؤقت لشارل الخامس الإمبراطور الذي أهداها اسمه. تنتقل السلطة منها لمدريد ولا تفقد طليطلة هيبة الألفا سنة من التاريخ، حضارات غير متجانسة، تعاقب للأديان الثلاثة، مركز لليهود والمسلمين والمسيحيين على تتابع. أي ثراء كهذا

طابع القرون الوسطى يغلب على طليطلة، المدينة القوطية والمدينة الأندلسية تتشابك في طرقاتها مع أحياء المدينة العتيدة، جسران من القرون الوسطى يعبران النهر، على اليسار يرتفع "الكازار" أو القصر المبني في القرن السادس عشر، على اليمين أبراج الكاتدرائية التي بُنيت فوق مسجد طليطلة الأعظم، غارقة في ظلّ الشمس تخترق السماء.

طليطلة عندما سقطت تركت ندبة في قلب "العالم الإسلامي"، فهي أول القلاع الأندلسية الهامة التي وقعت في يد مملكة قشتالة خصم الأندلس اللدود، هناك هالة فردوسية رسمت حول الأندلس لأسباب كثيرة من بينها أشعار المراثي، فما بالك إذا بأول الفقد؟ أول المدن التي سقطت.. طليطلة!