تزوَّجْها أقصاويةً ولكَ الفخر!

الإثنين 07 أغسطس 2017 12:49 م بتوقيت القدس المحتلة

تزوَّجْها أقصاويةً ولكَ الفخر!

ربَّما كان عليَّ استكمالُ رحلتي في البحث عن النصف الآخَر في مسارها الذي رسمتُ حدوده ووجهته، ولكنَّ أحداثًا كثيرة فرضتْ نفسها على واقع القلم والتدوين، وكان لزامًا أنْ تكون حاضرة على واجهة أبرز الأحداث، بل مؤثِّرةً في سيرِها، ولذا قررتُ الانعطاف يمينًا في طريقي للبحث وسَلْكَ طريقٍ مختصرة أومنُ إيمانًا عميقًا أنَّها ستوصلني لنهاية الرحلة، فتسارعُ البحث يجب أن يُجاريَ تسارع الأحداث، وما حدث في القدس والأقصى جعلَ كلَّ بوصلةٍ تتجه إليهما، بل أصبحا مقياسًا ونقطة أصلٍ وارتكاز في فهم الأمور واتخاذ المواقف والمفارقة بين الناس، فالأقصى كاشفٌ فاضح، بيَّن هشاشة أنظمةٍ وعباءات ادَّعتْ أنَّها حاضنة الدين وأمينةٌ عليه، ونسبتْ لنفسها الفتوحات، وتسابق "علماؤها" في مضمار "التسحيج"، ليتجلَّى زيفُهم وصداءةُ معدنِهم، وكذلك أظهرَ الأقصى طُهرَ ونفاسةَ معدن أهله من عشقوه واتخذوه عقيدةً ولم يفرِّطوا بشبر فيه، وتجلَّى فيه عِظمُ دور النساء وقدرتُهُنَّ على صناعة التغيير وعلى أحقيِّتهنَّ بدور القدوة وتحقيق الانتصار في ميدانٍ لطالما كان حِكْرًا على الرجال، إلا حين أبتْ نساءُ الأقصى أنْ يكنَّ الاستثناء ويخرجنَ دفاعًا عن شرف الأمَّة بعد أن تغافل عنه وتناساه كثيرٌ من رجالها أو منْ ظنناهم كذلك!

إنَّ السعْي لإيجاد شريكة الحياة سعيٌ فطري، بِذرَتُه الحاجة للتزاوج والتكامل، ونقصٌ لا يُتمِّمُه إلا ما خُلُق من ذات النفس مسكنًا وملجأً، وإنَّ لهذا السعي محدداتٌ وضوابط وخيارات، أبرزُها الظفرُ بذات الدين، فيسعى كثيرٌ من الشباب -وخصوصًا الملتزم- للبحث عن ذات الخُلُق الجميل، ذات الحجاب الكامل، الحافظة لكتاب الله، العابدة الحامدة القانتة، مضيفين على ذلك جمالا ومالا ونسبًا وعلمًا، مما قلَّ منه أو كَثُر، رغبةً في تأسيس بيتٍ على قواعد متينة سليمة، تكونُ تأشيرةً لنيْل رضى الله والعبورِ إلى الجنَّة، وممّا لا ريب فيه أنَّني كذلك جزءٌ من هذا الشباب الراغب في ذلك، ولكن مع الوقت بدا لي أنَّ مفهوم ذات الدين أوسعُ وأعمقُ من ذلك، وشكَّلت الأحداث الأخيرة والأزماتُ التي عصفتْ بأمَّتَيْنا الإسلامية والعربية صورةً مُختلفةً عن سابقتها، من أزمة حصار قطر حتى إغلاق المسجد الأقصى، فحتى الزواج أصبحتْ له أبعاد فكرية وسياسية حتى يقوم على التفاهم والتناسق، ولا يكون حَلبةً لصراعٍ مُصغَّر عمَّا يجري في حَلبة الصراعات الكبرى.

تزوَّجْها أقصاويةً ولكَ الفخر! أقولها بالفم الملآن؛ فكم حافظةً لكتاب الله تبيَّن أنَّها لا تحفظُ من القرآنِ إلّا حروفَه، ولا تُتُقنُ منهُ إلا تجويدَه، قدْ تصلِّي وتقوم الليل وتتهجَّدُ بالأسحار وتحافظ على وِرْدِها القرآنيِّ، لكنَّها عن قضايا أمَّتها غافلة، أو متغافلة، لا تتدبَّرُ من القرآن إلا طاعة السلطانْ، وتبجيل العلماء حتى لو خسروا الرهان، ويا ليْتها أحسنت الفهم والتدبر، بل انشغلتْ بنقدِ هذه وتلك من الخارجات نصرةً للأقصى، تعيبُ عليهنَّ ألّا يَقرْن في بيوتهنّ، وتستنكرُ عليهنَّ نشرَ صورهنَّ، وتغضبُ لاختلاطهنَّ مع الرجال، ونسيتْ أنَّ من النساء من فدَيْن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأجسادهنّ، يُطَبِّبْنَ جراحاتْ الرجال، ويكنَّ لهم سندًا وسدًّا، وهي راحتْ تقدِّس علماء السلطان، وتدَّعي أنّهم معذورون، وللفضل كانوا سبَّاقين، وهم في سرِّهم يدْعون، ويا ليْتهم لم يفعلوا! بل بالنصرِ جاؤوا مُدَّعين، ولم ينطقوا بأكثر من ورد الأذكار وتشريع الحصار وشكر ولي الأمر طويل العمر. انشغلتْ بذلك ونسيتْ تفقيه أمِّ المؤمنين عائشة للرجال بأمور دينهم، نسيتْ ملجأ النبيِّ في فزعه أمَّ المؤمنين خديجة، فلمْ تُفلح إلا أنْ تكون مع المُطبلين القاعدين!

تزوَّجْها أقصاويةً ولكَ الفخر! فهي التي عرفتْ كتاب الله حفظًا وفهمًا وغايةً، وهي التي تعلَّمته وعلَّمته، وشهدتْ لها مصاطب العلم بذلك، بل شهدتْ لها حتى الحجارة، تحفظُ موطئ قدمها، وتحفظُ الجدرانُ صدى صوتِها، هي التي رفعت القرآن شعارًا بيمينها، بعدَ أنْ وقَرَ يقينًا في قلبها، كفوَّهة البندقية موجَّهٌ إلى صدور أعدائِها، هي التي وقفتْ شامخةً أبيَّةً في وجه الظُلَّام والطواغيتْ، لمْ ترْكنْ لأسباب الأعذار، تحفظُ العهد مع الأقصى، مُذْ نشأتْ وترعرعتْ في ساحاته، تحفظُ كل الأمنيات والأسرار التي عهدتْ بها له، تعاهدا حبَّهما حتى النصر أو الشهادة، حفظتْ معالَمه، وارتادتْ دور القرآن فيه، لم يرقْ لها يومًا موطئ قدمٍ لمحتلٍّ على أرضه، هو إرثُها فلا تعطي فيه الدنيَّة، ممَّا قلَّ منه أو كَثُر نصيبًا مفروضًا، واضبتْ على أداءِ دروسها وواجباتها فيه، فكان بوصلة أحلامها وفارسها، وخطَّت على أشجاره وأحجاره: إنَّما الأقصى عقيدة، ودمها كان المداد.

ليس الأقصى مجرَّد طينٍ وحجارة، بل هو عقيدةُ الصالحين والطامحين إلى الجنان، وليست نساءُ الأقصى هنَّ نساءُ القدس وفلسطين فحسب، بل هنَّ فتياتُ العقيدة في كلِّ مكان، هنَّ اللواتي رغم البعد والحرمان، لم يركنَّ أبدًا لملذات الحياة، بلْ حملنَ على عاتقهنَّ مهمَّة التبليغ، هنَّ العفيفات حيثُ الفتن، والطاهراتُ حيثُ كان الدنس، نساءٌ حُلمهنَّ الشهادة، وزادهنُّ تقوى وإيمان، لم يرضينَ بالقعود، وحملنَ الأقصى في قلوبهنَّ وبلَّغنه آية، هنَّ منْ نزلنَ إلى الميادين، وصرخنَ في وجه الظلم، وروَّتْ دماؤهنَّ الأرض، لم يرهبهنَّ تنكيل وتشريد، حفظنَ العهدَ جيَّدًا، وبوصلتهنَّ الأقصى فلا تحيد، منهنَّ من نال الشهادة، ومنهنَّ من ينتظرن، وما بدَّلنَ تبديلًا.

تزوَّجْها أقصاويةً وهي الماجدة! وهي التي انتمتْ لقضايا أمتها واندفعتْ للذَّودِ عن حِمى الأقصى عن حِمى الأمَّة، وقدَّمت الروح والنَّفس في سبيل ذلك، ورغم ما حلَّ بها، ورغم الضرب والتعنيف وضعتْ دينها وعقيدتها في مقدمة أولوياتها ودافعتْ عنهما ولاقتْ المُرَّ في سبيل ذلك، تزوَّجْها أقصاويةً وهي التي لم تلفتها الحياةُ الدنيا وزينتُها، وهي التي لم تُغرها صرعات الموضة، ولا رغبات الفتيات بالانفتاح وحرية اللباس، ترى في عيْنيها مرآة تبصر بها الوطن، وترى فيهما حدَّة وضراوةً على الأعداء، وهي التي حفظتْ قلبَها وصانته من كلِّ دنس، في ضعفكَ تُقوِّيك، وفي عجزك تُغنيك، إن اثَّاقلتَ رفعتك، وإنْ تباطأتَ حثَّتك، حُلمُها اجتماعٌ في الدنيا والآخرة، وطريقُها نصرٌ أو شهادة، حتى الوطنُ بعظمته، ينحني لها تقديرًا وإجلالاً.

تزوَّجْها أقصاويةً وهي الجميلة! حياؤها زينتُها، وحجابُها تاجُ وقارها، بالقرآن يخفقُ قلبها، وبالحقِّ يلهجُ لسانُها، وبمحيَّاها يستبشرُ الصبح، وبسكونها يرتاحُ الليل، وبنورها تنيرُ عتمةُ الطريق، ومعها تأنسُ فلا وحشة، بين النساء هي الرقيقة، ومع الرجال رجلٌ مقدام، حفيدة عائشة، وذات النطاقين، منها تغارُ الحور العين، وبها يعزُّ الرجال، صابرةٌ محتسبة، أوَّابةٌ قوَّامة، لم تخشَ مرارة السجن ولا رهبة الاعتقال، هي الباسمة بين جموع الغاصبين، نجمةٌ لا تأفل، تضيءُ سماء القدس وفلسطين، قدوةٌ للطامحات، ومنارةٌ لمن قصد العُلا، جُبلتْ بطينٍ من جنان الخلد، وسُقيت من نهر الجنة، ففاقت الفرات عذوبة، وزمزم طُهرًا، هي سيِّدة نساء العالمين!

المصدر : شهاب