نكبتي في تل أبيب

الأربعاء 17 مايو 2017 02:53 م بتوقيت القدس المحتلة

قبل عشرة أعوام وفي شهر النكبة -شهر آيار- تحديدًا، كُنت أقضي يومًا تقليديًا في الكليّة في تل أبيب، حين وجدت أحد زُملائي اليهود في الكليّة يتحدث عن بعض المشاغبين الذي قاموا برفع الأعلام الفلسطينيّة في وسط تل ابيب، اعترضًا على الاحتفالات بعيد الاستقلال، وراح يُحرّض ضدّهم لأنهم يعيشون في دولة يعتبرون استقلالها "نكبة" لهم، فنسيت تحريضه ورُحت أفكّر في نفسي وخوفي من الحديث عن فلسطين بينما غيري يرفع علم فلسطين في وسط تل أبيب.

يومها كُنت الفلسطيني الوحيد بينهم، ولم تكن لديّ الجُرأة للحديث عن النكبة وعن فلسطين أمامهم، ولكنني قررت "التمرّد" والحديث حتى لو قام الجميع بمُقاطعتي، وسأعترف أنني كُنت غبيًا جدًا.. لأنني لم أكن أعرف أي شيء عن العقليّة الصهيونيّة وأنا أعيش بينهم كُل يوم، حيث وجدتهم يستمعون إلى مزاعمي وكلماتي الغاضبة وكانوا أذكى منّي.. تركوني في البداية أتحدث وهم يستمعون بدم بارد وأنا "أغلي" حتى وجدت كُل ما حفظته من معلومات طيلة "حياتي" قد تلاشى قبل أن يبدأ النقاش، وأنا الذي كدت أعتبر نفسي الناطق الرسمي باسم فلسطين أمام هؤلاء الذين انهوا الخدمة العسكرية قبل أشهر قليلة.

رُحت أحاول استعطافهم من خلال الحديث عن طرد الفلسطينيين وعن المجازر الكثير وضحاياها الكثر وكُنت اتخيّل أن الجميع سينحني امامي خجلاً حال انهائي كلامي، أو لربما يلتزمون الصمت لأنني أفحمتهم.. كُنت ساذجًا جدًا، فقد قفز لي أحدهم وقال عن أين مجازر تتحدث؟ .. قلت دير ياسين وكفرقاسم، فقال وماذا أيضًا؟ أدركت حينها أنني لا أعرف غير هاتين المجزرتين، وانقلب الحديث إلى "التهجير القسري"، فوجدت أحدهم يؤكد بأن الفلسطينيين كانوا قلّة أساسًا، متأثراً بالكذبة الصهيونية بأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وفوق ذلك وجدته يسألني عن أعداد الذين طُردوا يومها .. أو حتى أعداد الفلسطينيين.. حينها وجدتني مُحرجاً جدًا، فلا جدّي ولا جدّتي ولا حتى "التغريبة الفلسطينية" ذكرت هذه التفاصيل الدقيقة التي يُطالبني بها هؤلاء وقررتُ أن أخرج من المأزق بالكذب وقلت: 5 مليون، كانوا 5 ملايين، كيف ولماذا.. لا اعرف!!

 كنت أقف وحولي أكثر من 7 أشخاص يُحيطونني ويقصفونني بالأسئلة " المُدهشة "، وعلت أصواتهم، وفجأة وصل المُحاضر وانضم للنقاش بنفسه فقال لي: تعال نحسب كم سيكون عدد الفلسطينيين الآن، لو كانوا فعلاً 5 مليون كما تقول.. وبدأ يحسب مُستعملاً معادلات التزايد والتناقص وإذا برقم من بضعة عشر خانة في النتيجة، وبينما هو يكتب الأرقام حتى ارتفعت أصوات الضحك والقهقهة من حولي.. وكان واضحًا أنه أفحمني، حاولتُ أن أبرر وأشرح ولكن كما يُقال "احترقت ورقتي" ولا بُد للدرس أن يبدأ.. لم أشعر بالإهانة لوحدي فقط.. شعرت يومها أنني أهنت فلسطين كُلها بجهلي، كانت كُل الضحكات التي رأيتها تؤكد لي شيئًا واحدًا فقط، أنني لا أعرف شيئًا عن فلسطين بعد !

ما أذكره جيدًا أنني وفي المرحلة الثانوية وأيام امتحان التاريخ تحديدًا، وجدت أستاذنا "العربي" ينصحنا بأن لا نُركز في دراستنا على القضيّة الفلسطينيّة لأنها غير مُهمة جدًا، فأكثر الاسئلة كانت عن نهاية الدولة العثمانية أو "الرجل المريض" كما كنّا نسميها، أما فلسطين وقضيّتها التي نعيشها كُل يوم فلم تكن عند أستاذ التاريخ مهمة، وقد حصلت على علامة جيدة جدًا في التاريخ كما حصلت على مُعدل ممتاز في الثانوية ولكنني خرجت رُغم ذلك جاهلًا بتاريخ بلادي وقضيتي ولست أبالغ لو قُلت لكم بأنني وكثيرٌ من زُملائي الصف لا نعرف بأن ذكرى النكبة يُصادف يوم 15 أيار فكيف بتفاصيل القضيّة؟

لا شك أن لضحكات زُملائي الصهاينة في الدراسة فضلٌ كبير عليّ، فلم أفكر قبلها بالمشاركة في ندوة أو محاضرة تاريخية لفلسطين، ولكني حملت نفسي بعدها وقصدت مدينة حيفا حيث حضرت أول محاضرة عن النكبة وتاريخها، وبعد تلك الضحكات عرفت الحركة الطلابية الفلسطينية في تل أبيب عن قُرب وبدأت أرى صنفًا من الشباب لم أره من قبل كثيرًا .. كما عرفت الكثير من الكُتب ككتاب كي لا ننسى للخالدي وموسوعة بلادنا فلسطين للدبّاغ وروايات كزمن الخيول البيضاء لإبراهيم نصر الله وغيرها الكثير، ولعل من أجمل ما فعلته بعد تلك الضحكات أنني رُحت أفتشّ وأبحث عن مواد سهلة لتعلّم القضيّة الفلسطينية بشكل مرئي وعميق فوجدت سلسلة النكبة بأجزائها الأربعة للمخرجة الفلسطينيّة روان الضامن فشاهدتها بشغف ولم أكتف بذلك، بل بادرت مع أحد الأصدقاء وقمنا بعرضها في أحد قاعات المسجد في قريتنا .. وحضر يومها عدد كبير من أهل القرية وكُل ذلك بفضل ضحكات اولئك الصهاينة .. ونكبتي في تل أبيب!