رسائلٌ من النكبة

الثلاثاء 16 مايو 2017 05:52 م بتوقيت القدس المحتلة

رسائلٌ من النكبة

عليان صوافطة 

مايو والنكبة، وقرانَهما الذي عُقِد بحضور مأذون الحرب ليُعلن استمراريته لتسع وستين عاماً، والسنون تتوالى على حساب أرواحنا وسهولنا وجبالنا، ذاك القران الذي أنجب الفلسطيني في أروقة المخيم، لينمو من بعده مصطلحُ طوابير الإغاثة، ثم أُعدمت به دير ياسين البريئة، واغتصبت حيفا عروس البحر ليلة زفافها، وأمسى الحب في وطني كشجرة برتقالٍ أثمرت في يافا، حتى ظُلمت وقُهرت ثم ماتت وغار عصير حَبِّها كقهوة في مآتم الفراق.

منتصف مايو يا عزيزي وتلك الليلة التي صافحت سماء الحب مودعةَ فجرَ السلام، ليبقى البحرُ مسامراً نجومَ المساء ومنتظراً عودة أهل البلاد وهو يهذي عندما يشربُ نبيذَ ذكريات الماضي "ليت العود أحمدُ"، ولتبقى شطّان الوفاء ثابتة رغم مدّ الأيام وجزر السنين لتقول لكل العالم في كل مقاماته انتظروا، فلو كانت عكا خائفةً من هدير البحر ما وقفت على الشطْ.

كنت في التاسعة من تضاريس عمري عندما سمعت بمصطلح نكبة الثماني والأربعين الحزينة للمرة الأولى، وقيل لي حينها أن القمباز الفلسطيني خرج من وحي العذاب مكتوب على سطوره تاريخاً مجيدا تليداً ينفي نشاز أحدهم عندما قال "أن الكبار يموتون والصغار ينسون"، ثم انسحبت أم أحمد من قريتها بعتادها وعدتها المتواضعة التي كانت تحتوي مفتاحاً قديماً يُحيى به كل شيء إلا ذاك الباب بعد مضاجعتهم الأخيرة، وحصيرةً بسيطة استلتها من فوق عليّة ذاك البيت العتيق وربما تناسب رحلة قصيرة جداً.

ما أشبه اليوم بالأمس ولا فرق بينهما سوى جودة الصورة والوفود نراها تخرج من أروقة حاراتها العربية تحت ضرب المدافع التي تزهق أرواح الكثيرين تحت رمضاء الشام، لكن مكرهٌ أخاك لا بطل

رافقها قِدرٌ صغير يكبر مع الزمن بازدياد أفراد العائلة في المنفى، ثم جاءتهم خيمةٌ كهدية متواضعة من وكالة الغيث الدولية علّها تقيهم من قيظ الصيف وزمهرير الشتاء، ولم يطلْ بهم الزمن حتى قايضوا تلك الخيمة بقطعٍ إسمنتية مؤقتة، فجيش الإنقاذ يعمل على قدم وساق من أجل أن تنتهي معاناة البلاد والصغار والكبار، لم تنجح عملية الإنقاذ اليتيمة وبات ذاك البيت ظلاً لأشباهه في المخيم وأمسى للرواية أصلٌ وحكاية.

ما أشبه اليوم بالأمس ولا فرق بينهما سوى جودة الصورة والوفود نراها تخرج من أروقة حاراتها العربية تحت ضرب المدافع التي تزهق أرواح الكثيرين تحت رمضاء الشام، لكن مكرهٌ أخاك لا بطل ولو كانت المدن كما تخيّلها الراحل درويش تتكلم لتحدثت حيفا إلى دمشق وبغداد وصنعاء، ووصفت لهن مرارة الفراق وغياب الرفاق، وقالت لهن لا تقتلوا أبناءكم خشية إملاق.

إن جلَّ هذا الألم الذي يطفو فوق مستنقعات العروبة ما هو إلا عضالاً أصاب دماغ الوطن العربي ثم تفشّى في الأطراف، ودواء هذا الداء لن يكون إلا بتفكيك أسطون تلك الخيمة التي خلَقت من كينونتها معادلة زئبقية ثقيلة ظلّ أهلها ينشدون بسيمفونية الاشتياق:

أفلسطين الغرّاء هل فيك مطمع

وهل كبد حرّى لبينك تنفع؟

وهل لليالك الحميدة مرجع؟

إذا الحسن مرأى فيك واللهو مسمع

نهايةً، أهدي هذه الكلمات لكل منتصرٍ حزين ولكل لاجئٍ عظيم، وهديتي للبلاد القديمةِ ما هي إلا باقةً من زعترٍ جبليٍ وسنبلة قمحٍ ذهبية ملفوفةً بحطةٍ بيضاء لتكون معصومةً بعقال عزٍّ أسودٍ.