في تحية خالد مشعل

الإثنين 15 مايو 2017 09:55 ص بتوقيت القدس المحتلة

ثمة تقليد في العزوف عن الثناء على الأحياء، يحتج لنفسه عادة بالقول "الحي لا يؤمن عليه الفتنة"، وهو قول أصله في أثر أطول منسوب لابن مسعود -رضي الله عنه- يقول فيه "لا يقلّدن أحدكم دينه رجلاً، فإن آمن آمن، وإن كفر كفر، وإن كنتم لا بدّ مقتدين فاقتدوا بالميت، فإنّ الحيّ لا يؤمن عليه الفتنة".

بات واضحًا الآن أن ذلك القول لا يحول دون الثناء على الأحياء، والشهادة لله بما علمنا، إذ ليس في ذلك شيء من الاتّباع الذي يحيل صاحبه إلى إمّعة، ولكن صحّ قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب"، وهذا لمن كان غالب حاله المدح، ومن كان حاله كذلك لا يسلم أمره مما يشوب الصدق، ويفتح باب النفاق، وقد مال كثير من الشرّاح لتأويل هذا الحديث لأجل جمعه بالصريح مما فيه مدح في الوجه.

ولست أرغب بما سبق تأصيل ما سيأتي، ولكن مدح الساسة ليس كمدح غيرهم، حتى وإن قادوا حركات منحتهم البهاء ومحبة النّاس وثقتهم من جهاد أبنائها وتضحياتهم وثباتهم، فأخطاؤهم أكبر من أخطاء غيرهم لجسامة مسؤوليتهم، ولتعلق مصائر الناس وحقوقهم بهم، ولأن لديهم -عادة- ما يُرجى أو يُخشى، وموقعهم مظنّة لحصول الظلم، وفي المقابل يستبطن الموقف الممتنع عن مدح الأحياء خشية من سقوطهم في الفتنة قدرًا من التعالي الذي يكاد يوهم صاحبه بالعصمة من الفتنة دون العالمين.

والحق أن في مدح الأحياء، ما قدّ يكون ردّ اعتبار لهم، لما قد يتعرضون له من تشويه وانتقاص، وهذا متحقق في حالة حماس، التي يحيط بها الأعداء والخصوم، ممن لا يتورعون عن الكذب وسيلة حربية، أو وسيلة سياسية، وقد راج في مسلكية خصومها السياسيين أن "الحمساوي" يظل سيئًا حتى يموت، فإن مات مُدح لأجل انتقاص خَلَفِه وتعييره به لا أكثر!

وفي المديح وفاء، وأكثر ما عَرَفْتُه من حماس، كان ومشعل رئيسها، وفي هذين العقدين، غالبت حماس أقسى ظروفها، وكبُرت الحركة وتعاظمت، وتسيّدت المشهد الفلسطيني، أو قاسمت فتح سيادته، وصنعت جهادها الأروع، وخاضت أعظم حروبها، وإن كان ذلك كله لا يُنسب -في حركة من طراز حماس- لشخص واحد، فإن العدل يقضي بأن ينسب بعض بعضه لرأس الحركة، الذي يجدر له ذلك، كما يجدر به أن يتحمل الأخطاء والإخفاقات التي قارفها بنفسه، أو حتى تلك التي رآها وأدركها وحاول منعها، ولكن حالت دون قدرته موازين القوى وحركة الأشياء على الأرض.

هذا منطق المسؤولية في النهاية، وأحسب أن مشعل أحسن القيادة من هذه الجهة، وتحمّل أن يُنسب له ما خالف رأيه مما فعلته حركته، وهذا جوهر الميزان الذي مثّلته قيادة مشعل، حتى كاد أن يصير سجية بمرور الوقت، وقد صار أخيرًا بموقعه فوق المحاور والأقاليم الجغرافية، فبالرغم من كل العواصف ظلّت حركته واحدة، كما كان غالبًا، في توجهه الوطني العامّ، رحب الخطاب، واسع الأفق، متجاوزًا الفئوية الضيقة، إن في رؤيته، أو خطابه، أو مقارباته السياسية.

وأنا إذ أشهد لأبي الوليد بهذه الشهادة، من مكاني بعيدًا، لم ألتقه، ولم نتحدث مشافهة، فإنما في حدود ظني وعلمي وتجربتي، فهي صادقة في حدودها، ولا تزعم لنفسها ما فوق ذلك ما دامت مفتقرة إلى الإحاطة والملازمة، فليس قولي من جنس قول أبي نواس:

إذا نحن أثنينا عليك بصالح *** فأنت كما نثني وفوق الذي نثني

ومما في علمي، القاصر عن الإحاطة مرّة أخرى، أن الرجل ينتصح إذا نُصح، ويبحث عمن يفيده، حتى لو حجبته عنه الحجب، وفصلته عنه المسافات، وهو سلوك يجدر أن يترسخ عملاً مؤسسيًّا تتجاوز به حركته انطباعات وأمزجة الأفراد القائمين على العمل، نحو استيعاب الكفاءات والطاقات قدر الإمكان في مهمة استعادة فلسطين وتفكيك المشروع الاستعماري الصهيوني.

خالفتُ -من موقعي كاتبًا ومراقبًا- أبا الوليد مرّات عديدة، إن في بعض مفردات خطابه، أو في جانب من أدائه العامّ أو الخاصّ، وسجّلتُ بعض ذلك ناقدًا ومخالفًا ومعترضًا، ولأنني لا ألتقيه فلا أعلم يقينًا موقفه من نقدي، لكن الذي أعلمه أنه يقرأ، وأن اعتراضًا، ولو مرّة واحدة، لم يصلني، وأن إفادته مما أكتب لم تتراجع، وهذه سمة، إن كانت راسخة، مما يستدعي الثناء على القائد بالفعل.

في السنوات العشرين التي قاد فيها مشعل حماس، يكبرُ المرء سنًّا وتزداد معرفته، وهو بذلك يتخلص بالتدريج من نزعات الإعجاب الانطباعية بالقادة الكبار، ويرتكز في مواقفه وآرائه إلى معلوماته أكثر مما يرتكز إلى مشاعره وبقايا الانطباعات الباقية من أيام الصِغَر، وهذه المعرفة إن غيرت من بعض آرائي وقناعاتي وتصوراتي وحتى مشاعري عمومًا، فإنها لم تغير من محبتي لأبي الوليد، الذي آن الأوان بعد أن فارق موقعه الأول في رئاسة حماس أن أقول له: أحبك في الله.