الفلسطيني الذي باع أرضه .. (المقدمة)

الأربعاء 19 أبريل 2017 09:02 م بتوقيت القدس المحتلة

الفلسطيني الذي باع أرضه .. (المقدمة)

في احدى اللقاءات التي جمعتني بعدد من الاصدقاء العرب في اسطنبول، جرى بيننا نقاشٌ طويلٌ حول القضية الفلسطينية، وفي غمرة هذا النقاش سألني أحدهم على استحياء (لماذا باع أجدادكم أراضيهم لليهود) ؟ سألته من قال لك ذلك ؟ قال أنه سمع ذلك في بلده التي جاء منها، وتابع قائلاً أن هذا الأمر معروف ويتردد كثيراً!

ثم ما لبث بعض الجالسين وهم من دول مختلفة أن قالوا (نعم نسمع بذلك) وتحدث كل واحد منهم عن الكلام المتداول في بلاده .. وسبق لنا نحن الفلسطينيون أن سمعنا من يقول لنا لماذا تطالبون بتحرير أرضكم التي باعها أجدادكم وقبضوا ثمنها؟

شعرت بحجم التقصير الموجود عندنا كفلسطينيين كوننا أصحاب حق، كيف نترك مثل هذه الأكاذيب تنطلي على عقول الناس وهي لا تعدو كونها افتراءات، دون ابراز حقائق هذا الأمر؟

لم يكن طرح صديقي غريباً بالنسبة لي، لمعرفتي بحجم الجهد الذي بذله اليهود على مدار ما يقرب 70 عاماً لترسيخ هذه الفرية في عقول العالمين، لكن الغريب والمؤذي حقاً أن صديقي طرح سؤاله بصيغة (لماذا) بمعنى تيقنه من حدوث الشيء ويسأل عن سببه، ولم يكن سؤاله بصيغة (هل) ليستفهم من صحة أو عدم حدوث الأمر ! مما يعني أننا أمام حقيقة مُرة، وهي أن هذه الأكذوبة وجدت ضالتها ورسخت في أذهان ملايين الناس من العرب والمسلمين وغيرهم، وهنا استحضرتني مقولة للباحثة  البريطانية روز ماري في كتابها الفلاحون الفلسطينيون من الاقتلاع إلى الثورة  (لقد آذى التشهير بالفلسطينيين أكثر مما آذاهم الفقر، وأكثر الاتهامات إيلاماً، كان الاتهام بأنهم باعوا أرضهم، أو أنهم هربوا بجبن، وقد أدّى الافتقار إلى تأريخ عربي صحيح لعملية الاقتلاع، التي لم تروَ إلا مجزأة حتى الآن بالجمهور العربي إلى البقاء على جهله بما حدث فعلاً).

خضت نقاشاً مطولاً مع الأصدقاء مستنداً على أدلة ومعلومات من التاريخ، إلى أن وافقني الأصدقاء، واعترفوا بأنهم وقعوا في شراك هذه الأكذوبة، عندها أصبحت أفكر جدياً بأن تصل هذه  المعلومة لأكبر قدر من الناس. ولنكن متفقين في البداية أن دحض هذه الأكذوبة أمراً ليس بالسهل، لأنها تستلزم أدلة وحجج ومعلومات لا تحتمل أي لبس فيها، ولأن هذه الافتراءات كتبت بأيدٍ يهودية وبنيت على قاعدة (إذا أردت أن تقتل عدواً فلا تطلق عليه رصاصة بل أكذوبة) فأمامنا مهمة شاقة لتصحيح التاريخ المزيف في عقول الملايين.

الحقيقة التي ينبغي أن نوقن بها، أن اليهود منذ فجر التاريخ عرفوا أنهم أهل مكرٍ وخداع، وأن اطلاق الأكاذيب والشائعات متأصل في نفوسهم، وقد سعوا إلى تبرير احتلالهم لأرض فلسطين عبر نشر الأكاذيب والشائعات، وقد ركزت الدعاية الصهيونية على مدار سنوات طويلة أن الفلسطينيين هم من باعوا أرضهم للاحتلال وأن اليهود اشتروها بمالهم، ولعل سبب نجاح ووصول هذه الأكذوبة إلى عقول الناس انعدام المعلومات والحقائق التي تدحض هذه الفرية.

قولنا أن الفلسطينيين باعوا أرضهم لليهود أكذوبة لا ينفي أن هناك بعض الذين جهلوا بحقيقة المؤامرة واستسلموا للظروف الاقتصادية الصعبة آنذاك وآخرون من الخونة الذين رغبوا بالثراء الحرام باعوا أرضهم، لكن الأمر ليس كما وصل إلى عقول الناس كما لو كان ظاهرة عامة في ذلك الحين، ولو تحدثنا بلغة الأرقام بشكلٍ مختصر، فإن إجمالي ما باعه الفلسطينيون أنفسهم بلغ 261 ألف دونم من أصل مساحة فلسطين التاريخية البالغة 27 مليون دونم (والدونم ألف متر مربع)، أي قرابة 1 بالمئة من مساحتها، كما أن مجموع ما حصل عليه اليهود إلى حين احتلالهم للأرض عام 1948 بلغ 2 مليون دونم أي 7 بالمئة من إجمالي الأرض، وقد تسربت إليهم هذه المساحات عن غير طريق الفلسطينيين إما بالتحايل، أو الهبات من الانتداب البريطاني، أو شراءً من الاقطاعين العرب ..وسيتم تفصيل ذلك في التدوينات القادمة.. ولمفتي فلسطين في تلك الفترة محمد أمين الحسيني مقولة حول ذلك (أهل فلسطين كغيرهم من الشعوب، منهم الصالحون ومنهم من دون ذلك، ولا يبعد أن يكون بينهم أفراد قصروا أو فرطوا أو اقترفوا خيانة، لكن وجود أفراد قلائل من أمثال هؤلاء بين شعب كريم مجاهد كالشعب الفلسطيني لا يدمغ هذا الشعب، ولا ينقص كرامته، ولا يمحو صفحة جهاده العظيم).

تعتبر هذه التدوينة مقدمة عامة للموضوع، والتدوينات القادمة ستتناول تفصيلات القضية، من أواخر فترة الحكم العثماني لأن فلسطين كانت جزءا من الدولة العثمانية، إلى فترة الانتداب البريطاني وهي الأهم، ثم الفترات الأخيرة قبل احتلال اليهود لفلسطين 1948 وصولاً إلى حرب 1967.